صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

196

شرح أصول الكافي

ليست كما يظنها جمهور الناس بل علمائهم من أن لها ذوات مستقلة « 1 » مباينة لذات النفس بل هي مستهلكة فيها موجودة بوجودها ، فادراكاتها وأفاعيلها عين ادراكات النفس وأفاعيلها ، ولكن للنفس مرتبة أخرى فوق مراتب القوى النازلة عنها يتحقق بها ذاتها الوحدانية العقلية ، فهكذا حال ملائكة الله وأنبيائه في أفاعيلهم وطاعاتهم وتعقلاتهم وحركاتهم ، وأكثر الناس ممن يصعب عليه التصديق بما ذكرناه ولا ادراكه لا في مادة التمثيل « 2 » ولا في الممثل « 3 » له على الوجه العقلي ، ولكن الأدلة السمعية ناهضة على ذلك في حق الأنبياء والأولياء عليهم السلام كما سبق . ولنرجع إلى لفظ الحديث فنقول : قوله عليه السلام : ما عبد الله بشيء من البداء ، اى ما عبد الله عبد بسبب شيء من وجوه الإلهية وجهات الربوبية كما عبده من جهة البداء ، ولعل العلة فيه : ان التعبد والامتثال في العمل بمثل البداء والنسخ وما يجرى مجراهما مما لا يعرف وجه الحكمة فيه أتم وأعظم ، فان الانسان ربما عجز عقله عن ادراك المصلحة في مثل الحكم بذبح إسماعيل أولا ثم رفع ذلك الحكم ثانيا . واما الرواية الأخرى من قوله عليه السلام : ما عظم الله بمثل البداء ، والفعل اما بصيغة المجهول أو بتقدير فاعل مثل أحد أو عبد ، فالمراد منه ان غاية تعظيم العبد لله ان يعرف انه لا يتحدد ذاته بتنزيه وتجريد عن الخلق كما لا يتحدد بتشبيه وتخليط به ، بل له شؤون في الإلهية وأطوار في أحديته لا يشغله شأن عن شأن ولا يصده عن مقام عن مقام ولا نشأة عن نشأة ، وكونه على هذا الوجه من الانبساط والسعة من غير أن يقدح في أحديته وتنزيهه أعظم وأتم في الإلهية من أن يكون مقيدا محدودا بالمباينة عن ما سواه ، ولكن معرفة ذلك صعب عسر الّا على العلماء الراسخين في العلم ولهذا قيل : انها طور وراء طور العقل .

--> ( 1 ) . متعلقة - م - د ( 2 ) . اى النفس وقواها . ( 3 ) . اى الواجب ومعلولاته .