صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

189

شرح أصول الكافي

وقصدته دفعه ، بل فعلها وادراكها فعل النفس وادراكها في عالم الحواس ، مع أن ذلت الحواس وفعلها وادراكها في عالم اخر سفلى متكثر متغير منقسم وذات الناطقة العاقلة وفعلها وادراكها في عالم علوي شريف مبرأ عن الوضع والانقسام والدثور والفساد . فهكذا طاعة الملائكة الواقعة في ملكوت السماوات لله سبحانه ولامره وكلمته ، لأنهم المطيعون بذواتهم لامره المستمعون بأسمائهم الباطنة لكلامه ووحيه ، المستشعرون بقلوبهم لعظمته ، فحيث انهم لا يستطيعون خلافا ولا تمردا ، بل يفعلون بأمره وينتهون بنهيه ويقصدون قصده بحكمه ، فافعالهم كذواتهم افعال الحق لكن بالواسطة كما أن افعال الجوارح فعل الناطقة لكن في عالم البدن ، فهؤلاء المكرمون افعالهم وتدبيراتهم وتصوراتهم وتصرفاتهم كلها من الحق وبالحق كما في قوله تعالى : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ . « 1 » فإذا تقرر هذا الأصل ظهر فضل ظهوران كل كتابة تكون في الألواح السماوية والصحائف القدرية فهو أيضا مكتوب الحق الأول تعالى بعد قضائه السابق المكتوب بالقلم الاعلى في اللوح المحفوظ عن المحو والاثبات المصون عن النسخ والتبديل ، وهذه الصحائف السماوية والألواح القدرية اعني قلوب الملائكة العمالة ونفوس المدبرات العلوية المشار إليها بقوله تعالى : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً « 2 » ، كلها كتاب المحو والاثبات المشار إليه في قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 3 » ، سماه أمّ الكتاب لاحتوائه على الكل اجمالا ، فيجوز في نقوشها المنقوشة في قلوبها وصدورها اعني نفوسها وطبائعها ان تزول وتبتدل ، لان مرتبتها لا يأبى ذلك كما بينا في مسألة حدوث العالم وما يتعلق به . والّذي يستحيل فيه التغير والتبدل انما هو ذات الله وصفاته وعالم امره وقضائه السابق وعلمه الأزلي ، فمن هذه الألواح القدرية واقلامها الناقشة لصورها وصف الله نفسه بالتّردد كما في قوله : ما ترددت في شيء كترددي . . . الحديث الإلهي وبالابتلاء

--> ( 1 ) . الاسراء / 105 ( 2 ) . النازعات / 5 ( 3 ) . الرعد / 39