صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

160

شرح أصول الكافي

أجسادهم في المنزل الأدنى ، وانما تصرفت نفوس هؤلاء في أبدانهم ببعض قواها لا بكلها كما لغيرهم في حالة النوم ، إذ روح المؤمن عند نومه يرتقى إلى عالم الملكوت حيث يرى ويشاهد رؤيا صادقة وأمورا غائبة عن هذا العالم وليست بأضغاث أحلام ، فدل ذلك على أن الروح انقطعت علاقته بهذا البدن لكن لا بالكلية والا لفسد مزاج البدن وانخلعت صورته ، بل بقيت قواه الطبيعية بحالها عمالة في البدن اعمالها المخصوصة بها من الجذب والدفع والهضم والا حالة والا نماء والتوليد وغيرها . فان قلت : الثابت في الحديث الإلهي المشهور بين الجمهور : لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل ، هو صيرورة الحق سمعا وبصرا ويدا للعبد المتقرب إليه ، والثابت في هذا الحديث وغيره عكس ذلك من صيرورة العبد وجه الله وعينه ولسانه ويده فما وجه التوفيق ؟ قلنا : وجه ذلك اختلاف الاعتبارات والحيثيات ، ولنذكر أولا مثالا مناسبا لهذا المطلب ثم لنعد إليه بعد ذلك فنقول : نسبة الذوات المستغرقة في جلال الله من أرواح الأولياء الكاملين والملائكة المقربين نسبة قوانا وحواسنا إلى النفس المدبرة ، فان فعلها فعل النفس لكونها موجودة بوجود النفس باقية ببقائها وان كانت مواضعها وآلاتها البدنية فاسدة . إذ التحقيق عندنا انها منبعثة ناشئة من النفس متعلقة بمواضع الشعور حين تعلق النفس بالبدن وسترجع إليها عند موت البدن قائمة بها . فلكل منها اعتباران : اعتبار كونها ملحوظة بذاتها واعتبار انها قوة من قوى النفس ، فإذا نظرت إلى ذات القوة الباصرة مثلا فوجدتها مدركة للمرئيات لكن بمدد النفس وقوتها ، فحكمت بأنها تفعل فعلها الخاص وهو الرؤية بقوة النفس وتوسطها ، فكانت حينئذ هي الذات الباصرة والنفس بصرها ، وكذا الكلام في السامعة وغيرها من الحواس ، بل الأولى في التمثيل الحس المشترك الّذي آلته مقدم الدماغ لكونه مجمع الحواس والقوى ، ففي هذا الاعتبار يكون النفس وجهه وسمعه وبصره وذوقه وغير ذلك . وإذا نظرت إلى ذات النفس وكونها لا تفعل هذه الآثار الادراكية الا بواسطة الحس المشترك فتحكم بأنه وجهها وسمعها وبصرها وغير ذلك ، لأنه في هذا الاعتبار