صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
124
شرح أصول الكافي
للعالم وانشائه للموجودات من كتم العدم مما يوجب استحقاقية الحمد له والثناء عليه ، ولذلك كانت الملائكة يسبحونه بحمده ويقدسونه قبل خلق العالم وهو قولهم : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ « 1 » ، فثبت وتحقق ان له الحمد والثناء في المبدأ والمنتهى . ثم إنه عليه السلام أنشأ خطبة ثانية في ذلك اليوم وقت العصر فقال : الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تجسيد والمرتدى بالجلال بلا تمثيل . واعلم أن الكبرياء لا بدّ فيه من امرين : أحدهما وجود الشرف والعلو على الغير والثاني العلم بكمال الذات وفضلها ، وهذان الاعتباران صادقان عليه تعالى أتم من صدقها على كل موجود وكذا الجلال والعظمة ، فكان سبحانه أحق بالكبرياء والجلال من كل موجود . اما الأول : فلانه لما كان كمال الذات عبارة عن تمام وجود الشيء وكماله بحيث لم يفته من كماله شيء ، بل كل ما ينبغي له فهو حاصل له بالفعل ، صدق عليه هذا الاعتبار أتم صدق ، واما الثاني : فلان وجوده تعالى هو الوجود الّذي يصدر عنه وجود كل موجود عداه وهو تعالى عالم بذاته وبجميع الأشياء كلياتها وجزئياتها أتم علم ، فهو اذن عالم بكماله وشرفه على عبيده ومخلوقاته وعالم بان غيره تعالى لا يستحق صفة الكبرياء والجلال بالحقيقة بحسب كل من الاعتبارين . اما الكمال : فليس لغيره لذاته بل بسبب افاضته تعالى ، ذلك الكمال والشرف أيضا بالقياس إلى ما دونه الا بالإضافة إلى ما فوقه ، واما العلم : فعلم ناقص غير محيط بجميع الأشياء ولا بما فوقه ، ولأجل ذلك اختارهما لنفسه دون خلقه ، ومعنى اختياره لنفسه هاهنا تفرده باستحقاقهما لذاته ، فان المستحق للكبرياء والجلال بالذات ليس الا هو كما ذكرنا ، وقد دل على ذلك المنقول والمعقول : اما المنقول : فقوله تعالى : الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ « 2 » ، والألف واللام هاهنا يفيد حصر الكبرياء والعلو فيه .
--> ( 1 ) . البقرة / 30 ( 2 ) . الرعد / 9