صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
96
شرح أصول الكافي
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه يحتمل ان يكون مراده بالمعرفة المرتبة الأولى من مراتب المعرفة وحينئذ يكون معنى قوله اوّل الدين معرفته ظاهرا ، فان ذلك القدر اوّل متحصل في النفس من الدين الحق ، ويحتمل ان يكون مراده المعرفة التامة التي هي غاية المعارف ونهاية مراتب السلوك ، وحينئذ يكون المراد من كونها اوّل الدين هو أوليتها في العقل وهو إشارة إلى كونها علة غائية ، إذ العلة الغائية متقدمة في الذهن على ما هي غاية له ، وان تأخرت في الوجود الخارجي . وبيان ذلك : ان المعرفة التامة التي هي غاية سعى العارف غير حاصلة له في مبدأ الامر ، بل يحتاج في كمال ما حصل له من مراتب المعرفة ، وتحصيل المعرفة التامة إلى الرياضة بالزهد والعبادة وتلقى الأوامر الإلهية بالقبول التي هي سبب تمام الدين ، فيستعد أولا بسببها للتصديق بوجوده يقينا ثم لتوحيده عن الشريك ثم لاخلاصه عن القيود والزوائد ثم لنفى كل ما عداه فيغرق في تيار بحار العظمة ، وكل مرتبة أدركها فهي كمال لما قبلها إلى أن يتم المعرفة المطلوبة له بحسب ما في وسعه ، وبكمال المعرفة يتم الدين وينتهى السفر إلى الله . قوله عليه السلام : وكمال المعرفة التصديق به . اعلم أن في اطلاق الكمال هاهنا تنبيها « 1 » على أن معرفة الله مقولة بالتشكيك ، إذ كانت قابلة للزيادة والنقصان وبيان ذلك : ان ذات الله تعالى لما كانت بريئة عن انحاء التركيب لم يكن معرفته ممكنة الا بحسب رسوم الناقصة « 2 » مركبة من سلوب وإضافات يلزم ذاته المقدسة لزوما عقليا ، فتلك السلوب والإضافات لما لم يكن متناهية لم يمكن ان يقف المعرفة بحسبها عند حد واحد ، بل يكون متفاوتة بحسب زيادتها ونقصانها وخفائها وجلائها ، وكذلك كمال التصديق به وبيان ذلك : ان المتصور لمعنى الا له العالم عارف به من تلك الجهة ، معرفة ناقصة تمامها الحكم بوجوده ووجوبه ، فان التصور للشئ إذا اشتد يصير اذعانا وحكما بوجوده ،
--> ( 1 ) . تبينها - م - ط ( 2 ) . ناقصة - م - ط