صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

65

شرح أصول الكافي

أراد ان يشير إلى حقيقة الامر الجامع للامرين المتوسط بين الحدين ، إذ كان عليه السلام امام أئمة العرفان وسيّد سادة الايقان والايمان وقد عرف اللّه باللّه وكما قال تعالى في القرآن : « وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ » « 1 » ، وقال تبارك وتعالى : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » « 2 » وقال : « ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ « 3 » . . . الآية » ، وقال : « وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى » « 4 » ، فقال : قريب في بعده بعيد في قربه ، اما كونه قريبا : فلان قوام الفعل بالفاعل والكل من افعاله ، واما كونه بعيدا لتجرد ذاته عن الخلق واستغنائه عن كل شيء . ولما كانت جهة قربه على هذا الوجه هي بعينها جهة بعده وكذلك بالعكس ، نبّه عليه بهذا الكلام وقال : فوق كل شيء ، لاحاطته بالأشياء إحاطة معنوية وجودية ، ولا يقال : شيء فوقه ، إذ لا حدّ لوجوده ووجوده فوق ما لا يتناهى ، وقوله : امام كل شيء ، لأنه مبدأ الأشياء ، ولا يقال له : امام ، إذ لا مبدأ له ، قوله : داخل في الأشياء ، دخول المقوم الموجود فيما يتقوم به ، لا كدخول الجزء في الكل - سواء كان جزء خارجيّا أو ذهنيا - بل نحو اخر لا يعرفه إلّا الرّاسخون ، وقوله : خارج من الأشياء لأنه تام الحقيقة بل فوق التمام حيث يفيض من وجوده وجود الأشياء وليس خروجه منها كخروج شيء منفصل عن شيء . واعلم أن هذه المعارف مما تقصر العبارة عن حق بيانها ولا يمكن تفهيمها لاحد ممن لم يذق هذا المشرب بالوجدان عقيب البرهان ولا يحصل ذلك الا بتعريف اللّه وتعليم من لدنه لمن كان على بيّنة من ربّه . ثم لما ذكر كيفية معيته تعالى للأشياء على هذا البيان الذي ليس فوقه بيان رجع إلى التنزيه ونزهه عن أن يكون لاحد غيره مثل هذه المعية الموصوفة فقال : سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره وأشار إلى برهانه بقوله : لكل شيء مبتدأ ، لان الواو حالية والجملة حال والعامل فيها معنى الإشارة ، وبيانه : ان هذه المعية المذكورة معية قيومية ولا شيء غيره قيوما للأشياء ، إذ كل شيء غيره فله مبدأ فليس شيء منها مبدأ لما سواه .

--> ( 1 ) - البقرة 186 . ( 2 ) ق 16 . ( 3 ) المجادلة 7 . ( 4 ) الأنفال 17 .