صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
59
شرح أصول الكافي
فكما ان من الوجود ما هو موجود واجب بالذات ، فمن العلم ما هو علم وعالم بالذات بل هو صرف حقيقة العلم فهو علم بكل معلوم ، ولو كان علما ببعض الأشياء دون بعض لم يكن صرف حقيقة العلم ، وكذا من القدرة ما هو قدرة بالذات وهي صرف حقيقة التي لا أتم منها فيتعلق بكل مقدور ، وهكذا في سائر الصفات الكمالية للوجود ، فلكل منها فرد بسيط لا مثل له ولا شبه ولا ند ولا ضد ولا حدّ ولا برهان عليه ، لما علمت أن لكل منها حقيقة بسيطة لا ماهية لها ولا جنس ولا فصل ، والتفاوت بالأشد والأضعف لا يقتضي ان يكون ما به الاختلاف امرا غير ما به الاتفاق ، كما في الخطّين الطويل والقصير ، فما به الفصل نفس ما به الاشتراك ، وهذه النقائص لهذه الأمور الوجودية أعني الامكان والماهية والمعلولية والتركيب انما يلحق لأجل قصوراتها عن درجة الكمال الأتم كما حقق في مقامه ، وهذه المقاصد دركها يحتاج إلى ذهن لطيف وفهم ثاقب وغور نافذ وبضاعة في الحكمة غير مزجاة . ثم لما ثبت وتبين ان ليس له تعالى امر زائد أو حالة عارضة ، بل جميع ما له من الصفات الحقيقية ترجع إلى ذاته ، وان علمه كذاته واجب الوجود بالذات وكذا قدرته وارادته وسائر صفاته الكمالية ونعوته الجمالية كذاته واجبة الوجود لذاتها ، وهذا ما قاله الإلهيون : واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات ، فالصّادر عنه تعالى من الافعال صادر عن حاق ذاته الأحدية لا بسبب قوة زائدة أو بتوسط حالة أخرى . فاستشكل السائل فتوهم انه يلزم عليه سبحانه ان يكون في فاعليته مباشرا للأشياء وقال : فيعاني الأشياء بنفسه ، اي يباشر الافعال بذاته من المعاناة وهي المباشرة والمقاساة ، فأجاب عليه السلام بقوله : هو اجل من أن يعاني الأشياء بمباشرة ، لان ذاته سبحانه في غاية التقدّس والتجرّد عن مخالطة الأجساد وملابسة المواد ، فكيف يباشر ما ليس بجسم ولا جسماني لما هو كذلك ؟ وحيث إن السّائل المذكور ما رأى من الفواعل في هذا العالم إلّا وهو مخالط لفعله الذي يصدر عنه بالذات فقاس إليه فاعليته تعالى فنبه عليه السلام على فساد هذا القياس بقوله : لان ذلك صفة المخلوق الذي لا تجيء الأشياء له الا بالمباشرة والمعالجة ، ويحتمل ان يكون الصلة وما بعدها صفة احترازية للمخلوق حتى يكون إشارة إلى أن من المخلوقات أيضا ما ليس هذا شأنه فكيف الواجب جلّ ذكره . ثم أشار إلى كيفية صدور الأشياء عنه من غير مزاولة ومقارنة فقال : وهو تعالى نافذ الامر والمشيئة فعال لما يشاء ، بمعنى ان صدور الأشياء عنه بمجرّد مشيئته لها ، فنفس مشيئته