صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
40
شرح أصول الكافي
« سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » ، « 1 » هذا منهج قوم وقال : « أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » ، « 2 » هذا منهج قوم اخر وهم الصديقون الذين يستشهدون من ذاته على حقيقة ذاته ومن حقيقة ذاته على أحدية ذاته كما قال تعالى : « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » ، « 3 » ومن أحدية ذاته على سائر صفاته ومن معرفة صفاته على كيفية افعاله الأوائل والثواني واحدا بعد واحد على ترتيب الأشرف فالأشرف إلى أن ينتهي إلى الجسمانيات والمتحركات . ولا شك ان هذا المنهج احكم وأوثق واشرف وأعلى ، الّا انه غامض دقيق لا يعرفه الّا المقربون الراسخون في العلم ، ولهذا عدل عليه السلام عنه إلى المنهج الاخر في جواب هذا السائل ، وفيه أيضا طرق عديدة بعضها للطبيعيين وهي طريقة الحركة وانها تنتهي إلى محرك غير متحرك ، وبعضها للمتكلمين وهي من جهة الحدوث أو من جهة الامكان بشرط الحدوث ، وبعضها لأصحاب فيثاغورس والرياضيّين من جهة العدد واثبات اوّل الآحاد ، وللناس فيما يعشقون مذاهب . وهذا الذي ذكره اشرف منها واحكم وهو الاستدلال من الفعل على الفاعل ومن البناء على الباني فقال : وجود الأفاعيل دلت على أن صانعا صنعها ، وانما قلنا إنه اشرف واحكم لأنه يرجع إلى البرهان اللّمى ، لان كون الشيء على صفة قد يكون معلولا لما ذاته علة له ، الا ترى ان البناء من حيث هو بناء لا يعرف الا بالبناء ، والكاتب من حيث هو كاتب يدخل في حده الكتابة ؟ وما يدخل في حد الشيء يكون سببا له وبرهانا عليه لمّيا . فذاته تعالى وان لم يكن من حيث ذاته برهان عليه ، إذ لا جنس له ولا فصل له وما لا جنس له ولا فصل له لا حد له وما لا حد له لا برهان عليه ، الّا انه من حيث صفاته وكونه مصدرا لا فعاله مما يقام عليه البرهان كقولنا : العالم مصنوع مبنى ، وكل مصنوع مبنيّ يقتضي ان يكون له صانعا بانيا ، فالعالم له صانع بان ، وإذا ثبت ان للعالم صانعا ثبت وجوده في نفسه ضرورة ، إذ ثبوت الشيء على صفة في الواقع لا ينفك عن ثبوته في نفسه وإليه الإشارة بقوله : انك إذا نظرت إلى بناء مشيّد مبني علمت أن له بانيا وان كنت لم تر الباني ولم تشاهده .
--> ( 1 ) - فصلت 53 . ( 2 ) - فصلت 53 . ( 3 ) - آل عمران 18 .