صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
374
شرح أصول الكافي
واما أصحاب الميمنة : فسمعوا الخطاب بالسمع الايماني وابصروا الشواهد بالآيات الآفاقية والانفسية وفهموا الخطاب بالقلوب الصافية فأجابوه بلسان الاعتراف ايمانا وتسليما . واما أصحاب المشأمة : فاحتجبوا برداء الكبرياء وامتحنوا باظهار العزة والرياء « 1 » فسمعوا الخطاب من وراء الحجاب وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة وقلوبهم في أكنة ، فلم يسمعوه بسمع القبول والطاعة فأجابوه بلسان الاقرار بالاضطرار ، وهم في حجاب الاغترار وظلمة الافتقار ، فاخذ مواثيق كل طائفة على حسب مقامها وحالها . اما المقربون : فاخذ مواثيقهم « 2 » بان لا يحبوا ولا يعبدوا الا إياه ، واما أصحاب الميمنة : فاخذ مواثيقهم بان لا يعبدوا الا إياه وان يحبوا أوليائه ، واما أصحاب المشأمة : فاخذ مواثيقهم على العبودية والانقياد . فالآن يرجع التفاوت بين الخليقة في الكفر والايمان والطاعة والعصيان إلى تفاوت الاستعدادات الروحانية والمعادن العقلية ، وانما اخذ اللّه عنهم الميثاق في هذه البداية واشهد الملائكة عليهم ان يقولوا يوم القيامة أي لان لا يقولوا أو كراهة أن يقولوا : انا كنا في هذا المقام غافلين كما غفل عن هذه المرتبة سائر البرية كالبهائم والانعام وغيرها ، إذ ليست لها هذه الفطرة النورية ، أو يقولوا : إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ « 3 » ، فاقتدينا بهم واقتفينا آثارهم . لأنا استخرجنا أرواح الذرية ونفوسهم من ظهور هذه الاباء الروحانية العقلية وهم الاباء بالحقيقة دون هؤلاء الجسمانيين ، لأنهم كالمعدات والمبادى للأبدان لا للأرواح ، نعم ! الأنبياء ثم الأولياء عليهم السلام بمنزلة تلك الاباء لافادتهم وتعليمهم العلم الذي به حياة الأرواح في دار البقاء . لئلا يقولوا : أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ « 3 » ، الذين ابطلوا استعدادهم للرجوع إلى مقاماتهم الفطرية بالمعرفة والتوحيد . فهذا ما عندنا في تفسير هذه الآية وليس فيه ما ينافي تلك الروايات المنقولة ، لأنها على تقدير صحتها يحمل لفظ آدم على الأب العقلي للبشر ويحمل وحدته على الوحدة الجنسية .
--> ( 1 ) - العلاء « النسخة البدل » . ( 2 ) - مواثيقهم المقرين - النسخة البدل . ( 3 ) - الأعراف 172 .