صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

352

شرح أصول الكافي

ان اللّه مستقر على العرش وانه محمول حمله الملائكة ، ومنشأ توهمهم في كونه محمولا قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى * « 1 » ، وقوله تعالى : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ « 2 » . قالوا : إذا كان الحق تعالى مستويا على العرش كان محمولا عليه وكان العرش محمولا على الاملاك ومحمول المحمول على الشيء يكون محمولا على ذلك الشيء . ووجد دفعة : انه تعالى موجد كل شيء ومفيد حياته فكيف يحمله حملة العرش ؟ فان كل مكاني محمول على شيء يحتاج في فعله وايجاده إلى ذلك الشيء فان الايجاد بعد الوجود ، ولهذا ثبت في العلوم الحكمية ان تأثير قوى الجسمانية بمشاركة المادة الوضعية ، فلو كان تعالى محمولا على حملة العرش لم يكن خالقا موجدا لها ، واللازم باطل فكذا الملزوم ، أما بطلان اللازم : فلما ثبت من توحيده في الإلهية ونفى الشريك عنه فهو خالق كل شيء ، واما بيان الملازمة : فلانه لو أوجدها على ذلك التقدير يجب أن يكون حين ايجاده إياها محمولا على حملة أيضا ، فان كانت تلك الحملة هي هذه بعينها فيلزم توقف الشيء على نفسه وان كانت غيرها ننقل الكلام إلى ذلك الغير فيلزم التسلسل أو الدور ، والتوالي بأسرها باطلة فكذا المقدم وهو كونه موجدا لها على التقدير المذكور ، فيكون المقدر « 3 » وهو كونه تعالى محمولا محالا ، وهذا هو المطلوب . وقوله : بحياته حييت قلوبهم وبنوره اهتدوا إلى معرفته ، إشارة إلى تنزيهه تعالى عن جميع انحاء كونه محمولا سواء كانت الحملة أجساما أو قلوبا أو عقولا ، فالأول كما يحمل الجدران السقف أو الفرس الراكب أو السرير الجالس أو الدابة الحمل أو الجسم البياض ، وأما حمل القلوب فكحمل النفس الاخلاق والعلوم ، يقال : أولئك حملة العلم ، اي نفوسهم ، واما حمل العقول فكحفظها وخزانتها للمعقولات . فالمقصود ان ليس للّه تعالى حوامل سواء كانت أجساما أو قلوبا أو غيرها ، لان البرهان الذي هو أعم مأخذا من البرهان المذكور قائم بان يقال : كل ما يتعلق بشيء في وجوده يتعلق به التسلسل بمثل البيان المذكور ، واللّه ولي التوفيق .

--> ( 1 ) - الأعراف 54 . ( 2 ) - الحاقة 17 . ( 3 ) - المقدم - م - د .