صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

346

شرح أصول الكافي

إحاطة علمه تعالى التفصيلي بالأشياء بقرينة قوله : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى « 1 » ، يعني يعلم سر كل ما يجهر اسمه بالقول بعلمه التفصيلي القدري ، ويعلم باطن سرّه الّذي هو اخفى من سرّه بعلمه الاجمالي القضائي . وقوله عليه السلام : وذلك قوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما « 2 » ، استدلال على انّ المراد بالكرسي الموصوف بالسعة لما في جوفه من الأفلاك والعناصر ، هو باطنه وروحه الّذي هو محلّ قدره ولوح قضائه وبه يعلم الكل علما تفصيليا ، ويؤكد هذا بقوله تعالى : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما ، اي لا يثقله ولا يتعبه ، يقال : اوده كذا يؤده اودا إذا اثقله وأجهده ، والتثقل والتجهد وأمثالهما من لوازم القوى الجسمانية ، فلو كان الكرسي الّذي به حفظ السماوات والأرض وامساكهما ان تزولا صورته الجسمانية وقوته الطبيعية يؤدها ويتعبها « 3 » الحفظ والامساك على الدّوام فلم يبق حفظهما ، لان القوى الجسمانية داثرة هالكة كائنة فاسدة لحظة فلحظة . المطلب التاسع : في علوه وعظمته قوله : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ . قال بعض العلماء : انّ أعظم المخلوقات مهابة وجلالة : المكان والزّمان ، امّا المكان فهو الفضاء الّذي لا غاية له وأصله من العماء الّذي ما فوقه هواء وما تحته هواء ، فاما الزمان فهو الامتداد الخارج من قعر ظلمات عالم الأزل في ظلمات عالم الأبد ، فكأنه نهر خرج من قعر جبل الأزل ودخل في قعر الأبد فلا يعرف لانفجاره مبدأ ولا لاستقراره منزل ، فالأول والاخر صفة الزّمان والظاهر والباطن صفة المكان ، فالحق سبحانه وسع المكان ظاهرا وباطنا ووسع الزمان أوّلا وآخرا ، وإذا كان المدبّر للزمان « 4 » والمكان هو اللّه سبحانه كان منزها عن المكان والزّمان . إذا عرفت هذا فنقول : الحق سبحانه له عرش وله كرسي ، فعقد الزمان بالعرش فقال له : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ « 5 » ، لان جرى الزمان يشبه جري الماء ، وعقد المكان

--> ( 1 ) - طه 7 . ( 2 ) - البقرة 255 . ( 3 ) - يتبعها . النسخة البدل . ( 4 ) - مدبر الزمان - م - د . ( 5 ) - هود 7 .