صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
326
شرح أصول الكافي
وثانيهما الكائنات الزمانية وهي التي لا يكفي امكانها لقبول الوجود بل من استعداد مادة وسبق حركة فلكية وزمان فيقال للقسم الاوّل سلسلة البدو وللثاني سلسلة العود . إذا عرفت هذا فاعلم أنه تعالى بعد ما ذكر أصول الموجودات من السماوات والأرض وما بينهما قال : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ * « 1 » ليدل على انّ الحوادث اليومية مفتقرة إلى تدابير أخر وتحريك للسماوات وإدارة الكواكب وتسخيرها وتركيب المواد العنصريات وتمزيج كيفياتها لحصول المركبات كونا بعد كون ، ولا شك انّ العرش أعظم الاجرام وأقواها والطفها واشملها ، وهو فلك الأفلاك وسماء السماوات ، فحركته بحركة أصل الحركات الكلية ، ونسبته إلى سائر الاجرام كنسبة القلب الانساني إلى سائر الأعضاء ، فايراد كلمة « ثم » لأجل ما نبهناك عليه ، وبما ذكرنا ظهر لك وجه اختصاص الفلك باستواء الرحمن مع أنه يستوي على كل شيء كما وقع في هذه الأحاديث . الا ترى في مثال الانسان الذي هو أنموذج من العالم الكبير والقلب له بمنزلة العرش وهو محل استواء النفس وتدبيرها للبدن بتوسط ؟ على أن النفس الناطقة لتجردها عن البدن نسبتها إلى جميع الأعضاء والاجزاء نسبة واحدة ، فهو يستوي على كلّ عضو كما يستوي على القلب ولا تفاوت من قبلها ، لكن التفاوت من قبل الأعضاء باختلافها باللّطافة والكثافة والتهيؤ لقبول التصرف والتدبير من النّفس فليس العقب « 2 » كالدماغ في قبول الحسّ والحركة ، فهكذا قياس الاجرام العالم الكبير في قبول الإفاضة والتدبير والتحريك والتنوير والتصوير . فاستواؤه تعالى على الأرض ليس كاستوائه على العرش ، لكن يجب ان يعلم مع ذلك انّه لا بد في هذا الموضع من معنى زائد على ما ذكرناه وفهم للقرآن أتمّ من هذا الفهم لئلا يكون اطلاق الاستواء على وجه الاستعارة ولا يكفي في ذلك الاستشهاد بقول الشاعر استوى فلان على الملك ، لان ذلك القول أيضا وقع على سبيل الاستعارة ، فاستمع لما يتلى عليك بسمع صحيح . واعلم أن النفس المجرّدة لا تتصرف في القلب الا بواسطة قوّة عملية تنبعث منها وتتصل بالقلب وتحركه « 3 » وتتصرف فيه حسبما شاءت وأرادت النفس ، والّا فلا مناسبة بينها
--> ( 1 ) - الفرقان 59 . ( 2 ) - عقب القدم ( پاشنه پا ) . ( 3 ) - فيحركه - م - د . تتحرك - ط .