صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

301

شرح أصول الكافي

النسبة إلى الأشياء المكانية من أن يقال « 1 » هو لم يبعد من قريب ولم يقرب من بعيد ، فان هذه لا تنفي الا الحركة دون المكانية بخلاف تلك « 2 » ، إذ كل مكاني فهو بحيث يختلف نسبته إلى الأشياء وان كان ساكنا في مكانه لا يتحرك وذلك من جهة تحرك الأشياء . وقوله عليه السلام : ولم يحتج إلى شيء ، تعميم لقوله : ولا يحتاج إلى أن ينزل ، فالأول إشارة إلى البرهان على نفي الحركة في المكان بما ذكره من تساوي منظره في القرب والبعد من من الاحياز والأمكنة ، وهذا إشارة إلى البرهان إلى نفي الحركة والتغير مطلقا بان معنى الحركة الخروج من القوة إلى الفعل . وبعبارة أخرى : كمال ما بالقوة من جهة ما هو بالقوة وكل ما هو بالقوة في شيء فهو فاقد له محتاج إليه لأنه كمال وجودي له والا لم يتحرك إليه ، والحق تعالى غير محتاج إلى شيء أصلا فهو غير متحرك بوجه من الوجوه لا في المكان ولا في غيره ، وانما قلنا إنه لم يحتج إلى شيء لان ما سواه من الأشياء كلها انما حصلت منه وهو أصلها ومنبعها ومنشأها وهو المتطول عليها المتفضل المنعم بالاحسان إليها فهي المحتاجة إليه تعالى ، فلو احتاج هو إلى شيء يلزم افتقار الشيء إلى ما يفتقر إليه من حيثية واحدة وذلك محال ، لاستلزامه توقف الشيء على نفسه وذلك قوله : بل يحتاج إليه وهو ذو الطول . وانما ذكر قوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ، لان دليل نفي الحركة بنفي الحاجة إلى شيء انما يتم باثبات توحيده في الإلهية وبنفي السفه عنه ، إذ لو تصور في الوجود إله اخر لامكن ان يتصور حاجة الاله إلى غير مخلوقاته ، إذ على ذلك التقدير لم يلزم من احتياجه إلى شيء محال كالدور وما يجري مجراه ، وأيضا لو جاز السفه عليه لجاز ان يظن بنفسه انه محتاج إلى شيء فيقصده أو يفعل الحركة مجازفة ، وهذا كما يعتقده كثير من المتكلمين من جملة آرائهم الزائفة انه تعالى يجوز ان يفعل بقصده كل ما تصوره من القبائح والمجازفات ، ويستدلون بان العالم كلّه ملكه وللمالك ان يفعل في ملكه كلّ ما شاء وأراد ، سواء كان حسنا أو قبيحا ، وليس لأحد ان يعترض عليه أو يسأل عنه لقوله : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ « 3 » .

--> ( 1 ) - متعلق بأبلغ فافهم ( نوري ) . ( 2 ) - متعلق بالمقصود ، وقوله : واستواء النسبة . . . إلى آخره ، عطف على نفي المكانية ( نوري ) . ( 3 ) - الأنبياء 23 .