صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
293
شرح أصول الكافي
فذكر أو لا اسم العلم لكونه أكثر حيطة من سائر الأسماء ، فبين ان اللّه عالم لا بالعلم الحادث الانفعالي المستفاد من الغير ليكون مستعينا به على حفظ ما يستقبل من امره ، وعلى الروية والتفكر فيما يريد ان يخلق من خلقه ما لم يخلقه بعد ، أو يريد ان يفسد ما خلقه فيما مضى من الزمان مما أفناه من خلقه ، أو يريد ان يبقى ما كان خلقه ماضيا مما أبقاه ، كحالنا في علومنا الحادثة التي بها نستعين على حفظ ما يستقبلنا من أمورنا ونروي بها في فعل ما نفعله وترك ما نتركه ، فلو لم « 1 » يحضرنا تلك العلوم الحادثة ويغيب عنا لكنا جهالا ضعفاء ناقصين . وأكثر ما نسميهم العلماء مما رأيناهم انما نسميهم ذلك بسبب حدوث العلم فيهم لكونهم أولا فيه جهلة ، وربما زال عنهم العلم بالأشياء فعادوا إلى الجهل لعدم رسوخ العلم فيهم فانصرفوا عنه زاهدين فيه وإلى الدّنيا راغبين ، كحال بلعم وأمثاله مما سمعناه أو رأيناه . وامّا تسمية اللّه عالما : فليس ذلك لعلم حادث بل ولا لعلم زائد على ذاته ، فإنه تعالى لا يعلم الأشياء من الأشياء فيكون في علمه مفتقر إلى غيره حتّى يكون لولا غيره لم يكن هو بحال ، فيكون في ذاته قوة التغيّر والانفعال فلم يكن واجب الوجود بالذات ومن كل جهة غنيّا بريئا من الامكان والافتقار . بل الأول تعالى يعلم ذاته بذاته ويعلم من ذاته ما هو سبب له بوسط أو بغير وسط ، وما من شيء الّا ويستند في سلسلة الأسباب المترتّبة عنه المرتقية إليه وهو مسبب الأسباب من غير سبب فيحيط بالوجود كله ؛ فلا يعزب عنه مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وهو بكلّ شيء محيط ، إذ الكل ذاته وصفاته وافعاله . واما كيفية تلك الإحاطة على وجه لا يقدح وحدته ولا يلزم كثرة في ذاته ولا في صفاته فهو مما لا يعرفه الا الراسخون ، والغرض هاهنا انّ حقيقة العلم له تعالى وهي عين ذاته ، إذ بذاته يظهر وينكشف جميع الأشياء ، فعلمه واحد ومع وحدته علم بكل شيء ، إذ لو بقي شيء ما لا يكون ذلك العلم علما به لم يكن ذلك حقيقة العلم ولا علما خالصا بل علما مشوبا بالجهل وكذلك الكلام في سائر صفاته تعالى . ومن أشكل عليه ان يكون علم اللّه عزّ وجلّ مع وحدته علما بكل شيء ، لانّه لم يعرف وحدة الحقائق وظنّ ان تلك الوحدة وحدة عدديّة وليس الامر كما ظنّه ، إذ كما انّ
--> ( 1 ) - فما لم - النسخة البدل .