صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

19

شرح أصول الكافي

والتحقيق : ان السماوات وما فيها كلها حية ناطقة مطيعة للّه تعالى في حركاتها وان حركاتها عبادة ما ملكية ، وما فيها موضع الا وفيه ملك ساجد أو راكع ، كما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « اطت السماء وحق لها ان تئط . . . » الحديث . فهذا معنى كون السماء عمرانا فإنها مساجد اللّه وفيها بيت المعمور ، وعمارة المساجد انما هي بالتسبيح والذكر والصلاة ، ومن هاهنا يعلم بطلان قول من زعم من الظاهريّين ان الفلك جماد غير ذي روح ونطق وان الكواكب كالدر واليواقيت وسائر الأحجار جمادات ، وهؤلاء قولهم كقول الطباعية . ومما يكذبهم في هذا القول ما ورد في الأدعية السجادية على قائلها السلام والتحية عند رؤية الهلال من قوله في مخاطبة القمر : أيها الخلق المطيع الدائب السريع . وقوله : المتصرف في فلك التدبير وكذا ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه قوله عليه السلام : وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك . يريد ان ظهور الشيء على الناس اي على المشاعر والحواس اما بظهور ذاته أو بظهور آثاره وافعاله ، والأول لا يكون الا لجسم مكيف بالكيفيات المحسوسة ، واللّه سبحانه ليس بجسم ولا محسوس فكيف يظهر بذاته على الناس وأهل الحواس ؟ واما الثاني وهو الظهور من جهة الآثار فهو الصحيح في حقه تعالى الواقع منه على خلقه ، فمن حيث أرانا قدرته وفعله فما احتجب عنا بل ظهر لنا غاية ما يمكن من ظهوره علينا ما دمنا في هذا العالم متعلقين بهذا القوى والأبدان الكثيفة العنصرية ، وقدرته فينا أحوالنا المتقابلة وهيئاتنا المتضادة من النشوء بعد العدم والكبر بعد الصغر والقوة بعد الضعف وعكس ذلك ، والصحة بعد السقم وعكسه ، والرضاء بعد الغضب وعكسه إلى غير ذلك من الحالات النفسانية والانفعالات القلبية التي عددها عليه السلام مما ليست بقدرة العبد واختباره ، ولا يملك لنفسه شيئا من ذلك فيشتهي وينفر كرها ويرغب ويرهب جبرا ويرجو وييأس اضطرارا ويصحّ ويمرض سخط أم رضى ويعيش ويموت شاء أم أبى ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . « 1 » بل قدير به ان يعلم شيئا فيجهله ويريد ان يذكر فينسى ، ويريد ان ينسى الشيء فيغفل عنه فلا يغفل ، ويريد ان ينصرف قلبه إلى ما يهمه في أودية الوساوس والأوهام

--> ( 1 ) - الفرقان 3 .