صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

240

شرح أصول الكافي

للوجود حقيقة عينية ، بل هو أصل الحقائق وان له مراتب ، ومن مراتبه ينشأ الماهيات والمفهومات . قال بعض العرفاء « 1 » بعد ان بين الوجود بالمعنى الثالث ومثّله بالمادة بقوله : الوجود مادة الممكن والهيئة المهيأة له بحكمة الموجد العليم الحكيم على وفق ما كان في علمه مهيئة بهذه العبارة ، والعرض العام هو الضعيف اللاحق به عند تقيده بقيد الامكان وبعده عن حضرة الوجود واسره في أيدي الكثرة . انتهى . أراد بالعرض العام الوجود الذي بمعنى الموجودية النسبية ، ووصفه بالضعيف لأنه ضعيف الوجود كسائر المعاني النسبية وهو نسبة تلحق الماهية الممكنة عند حصولها في العقل دون العين . واعلم أنه اطلق في عرفهم الوجود المطلق على الحق الواجب يكون مرادهم الوجود بالمعنى الأول ، اي الحقيقة بشرط لا شيء والتنزيه لا المعنى الأخير ، والا يلزم عليهم المفاسد الشنيعة كما لا يخفى على ذوي البصيرة ، وما أكثر ما ينشأ لا جل الاشتباه بين المعنيين من الضلالات والعقائد الفاسدة من الالحاد والإباحة والحلول والتشبيه واتصاف الحق تعالى بصفات الحادثات وصيرورته محل النقائص والآفات « 2 » . فعلم أن التنزيه المحض والتقديس الصرف كما رآه المحققون من الحكماء والمحققون من أصحاب الشرائع والاسلاميين باق على الوجه المقرر المبرهن عليه بلا شك وريب ، بعد ان يعرف الفرق بين مراتب الوجود على ما أوضحناه كما قيل :

--> ( 1 ) - هو صدر الدين القونوي قدس سره . ( 2 ) - قال فاضل الاصفهاني في حواشيه على الشوارق : اعلم أن الوجود قد يطلق ويراد به المعنى المصدري النسبي الذي هو من المعقولات الثانية التي لا يكون وجوده الا في العقل . وقد يطلق ويراد به المعنى الحقيقي الذي هو من مبدأ الآثار ومنشأ الاحكام ، ويعبّر عن الأول بالوجود النسبي وعن الثاني بالوجود الحقيقي وهو حقيقة بسيطة شخصية . ثم اعلم أن الوجود الحقيقي قد يؤخذ بشرط لا ، والمراد سلب جميع التعينات والنقصانات ، وقد يؤخذ لا بشرط التعين ، وقد يؤخذ بشرط التعين . الثالث وجود الممكن والأول وجود الواجب تعالى والثاني امره ، وقد يعبر عنه بالوجود المطلق ، والمراد سلب جميع التقيدات حتى التقيد بالإطلاق ويعبّر عن الثاني بالوجود المطلق أيضا والمراد التقيد بالإطلاق ، ولما قيل : ان الوجود المطلق هو الواجب توهم جمع كثير ان المراد هو الثاني وليس كذلك ، بل المراد هو الأول ، فمن قال بان الوجود لا بشرط التعين واللاتعين هو الواجب فقد أخطأ وضل ولم يفهم المراد بل عنه غفل ، فاستقم كما أمرت فلا تكونن من الجاهلين .