صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
203
شرح أصول الكافي
لانّه ان كان جسم اخر فيعود المحذور ويلزم التسلسل ، وان كان جسمانيا فيلزم الدور ، إذ وجوده لكونه جسمانيا يتوقف على تحدّد ذلك الجسم ، لان الجسم ما لم يتحدد لم يوجد ، وإذا كان وجود ذلك الجسم وتحدّده متوقفين عليه ، كان وجوده متوقفا على ما يتوقف عليه وجوده ، فيتوقف وجود ذلك الشيء على وجوده ، وكان تحدد الجسم متوقفا على ما يتوقف على تحدده ، فيتوقف تحدد ذلك الجسم على تحدده فيلزم تقدم الشيء على نفسه ، هذا محال . وان كان امرا خارجا عن الأجسام والجسمانيات فيلزم كون الجسم المفروض إلها مفتقرا في وجوده إلى امر مفارق عن عالم الأجسام فيكون هو الاله لا الجسم ، وقد فرض الجسم إلها ، هذا خلف ، مع أنه عين المطلوب ، وهو نفي كونه جسما ولا صورة في جسم . فقوله : فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان ، إشارة إلى ما ذكرنا من أن الجسم لا يقتضي بذاته حدا معينا ، بل نسبته إلى سائر الحدود والمقادير نسبة واحده فليس له الا القبول والاحتمال ، فلا بد في تحدّده بشيء من التناهي والتشكل إلى سبب خارج عنه مفارق عن الجسم ، فيكون كلّ جسم مخلوقا ويكون الاله منزها عن التحدّد والتصور ، فلم يكن جسما ولا صورة جسمانية . وقوله : وهو مجسّم الأجسام ومصور الصور ، إشارة إلى برهان اخر على نفي الجسمية والصورية وهو : ان موجد الشيء يمتنع ان يساويه في الموجودية ، بل لا بد ان يكون وجوده أقوى وأشد من وجود الشيء المعلول ، والا لم يكن وجود أحدهما بالعلية والاخر بالمعلولية أولى ، بل وجود المعلول رشح وتبع لوجود علته المنشئة له ، واختلاف الوجودات قوة وضعفا وكمالا ونقصا منشأ اختلاف الماهيات ومعانيها الذاتية ، فمجسم الأجسام ومصور الصور ، اي جاعلها نفسها ومنشئ ذاتها كيف يكون جسما أو صورة لجسم ؟ والا لكان يلزم المساواة بين الجاعل والمجعول في الماهية وفي رتبة الوجود ، وإليه الإشارة : لو كان كما يقولون لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق ولا بين المنشئ والمنشأ . وقوله : لكن هو المنشئ ، الظاهر أنه بصيغة المفعول وضمير هو راجع إلى الجسم ، وان قوله : فرق بين من جسّمه وصوّره ، مشتمل على حذف ، على أن الكلام في صورة قياس استثنائي صغراه مطوية ، والتقدير : انه متى كان الجسم منشأ كان بينه وبين منشئه الذي جسمه وصوّره وأنشأه فرق ، لكن هو المنشئ لما ترى من حدوث كثير من