صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
9
شرح أصول الكافي
على اللّه تعالى لانّه الفعّال لما يريد لا الدهر . فيكون تقدير الرواية الأولى : فانّ جالب الحوادث ومنزلها هو اللّه لا غير ، فوضع الدهر موضع جالب الحوادث لاشتهار الدهر عندهم بذلك ، وتقدير الرواية الثانية : فانّ اللّه هو جالب الحوادث لا غيره ، ردّا لاعتقادهم : انّ جالبها هو الدّهر . واعلم انّ من جملة الكفرة والمنكرين للصّانع والجاحدين للنشأة الآخرة جماعة من الطبيعيين والدهريين زعموا انّ لا عالم وراء هذا العالم المحسوس وان الانسان كسائر الحيوان يأكل ويشرب وينكح فإذا مات فات من غير ثواب وعقاب وبعث وحساب ، زعما منهم انّه هذا الهيكل المحسوس والشكل المخصوص بماله من المزاج والقوى والاعراض وان ذلك يبطل بالموت وزوال الحياة ولا يبقى الّا المواد المتفرقة ، قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ « 1 » . فالمؤثر الاوّل عند هؤلاء اما أمزجة الأجسام وكيفياتها كما عند الأطباء وطائفة من الطبيعيّين وامّا طبائعها وصورها سيما طبائع الاجرام العلوية من الأفلاك والكواكب وهم الدهريّة ، وهذا الرجل الزنديق كأنه كان من هذه الطائفة القائلين بالدّهر كما يظهر من كلامه عليه السلام في ذكر الشمس والقمر واللّيل والنّهار عند محاجته معه والزامه ايّاه . واعلم انّ الصادق عليه السلام سلك في الاحتجاج عليه ثلاثة مسالك : الجدل أوّلا والخطابة ثانيا والبرهان ثالثا ، تدرّجا في الهداية والارشاد وعملا بما امر اللّه به الرّسول عليه وآله السلام في قوله : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » « 2 » ، إذ غرضه عليه السلام لم يكن مقصورا على تعجيزه والزامه بل الغرض الأصلي كما هو شأن النبي والامام هداية الخلق وتعليمهم واخراجهم من ورطة الجهالة والحيرة والظّلمة . وكانت اقسام الحجة خمسة : البرهان والخطابة والجدل والشّعر والسفسطة ، والأخيران غير لا يقين بمن شأنه العصمة والهداية ، إذ الاوّل مبناه على التخييل والكذب ، فينافي العصمة ، والثاني مبناه على الغلط والتغليط فينافي الهداية ، فبقى من الخمسة الثلاثة الأول . امّا الجدل وهو المؤلف من المقدّمات المشهورة ففائدته كسر سورة الجحود والانكار
--> ( 1 ) - الجاثية 24 . ( 2 ) - النحل 125 .