صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
143
شرح أصول الكافي
الشرح أقول : لا بد قبل الخوض في حل هذا الحديث من ذكر مقدمتين : الأولى ان الغرض الأصلي من بعثة الرسل عليهم السلام وانزال الكتب إلى الناس سياقة الخلق إلى الحق واذهابهم من أسفل سافلين وأدنى منازل الهابطين إلى جوار رب العالمين ، وذلك بالعلم والعمل الصّالح ، وغاية العمل أيضا هو العلم ، لان المقصود من الاعمال ليس الا التخليص والتصقيل ، واين هو من التكميل والتنوير ؟ والعلم عبارة عن معرفة اللّه وصفاته الحسنى وافعاله العظمى من ملائكته وكتبه ورسله ، فكمال رتبة الانسان الذي يستحق مجاورة الرحمن هو معرفة هذه الأمور التي يجمعها العلم باللّه وباليوم الاخر ، وهذا بعينه هو المراد بالايمان . الثانية ان هذا العلم الذي هو الايمان مما يضعف ويشتد وينقص ويكمل ، ويكون في مبدأ اكتسابه ضعيفا ناقصا ثم يتدرج بمزاولة الافكار والاعمال ويشتد شيئا فشيئا ويستكمل قليلا قليلا ، كما يقع للفحم بمجاورة النار ، ويتسخن أولا تسخنا قليلا ثم يشتد تسخّنه حتى يحمر ثم يتنور ثم يضيء ويحرق ويفعل كما « 1 » يفعله النار من التسخين والإضاءة والاحراق ، فهكذا يشتد نور العلم وقوة الايمان حتى يصير العلم عينا والايمان عيانا والمعرفة تنقلب مشاهدة ولهذا قيل : المعرفة بذر المشاهدة . لكن يجب ان يعلم أن العلم إذا صار عينا لم يصر عينا محسوسا ، وان المعرفة إذا انقلبت مشاهدة لم ينقلب مشاهدة بصريّة حسيّة ، لان الحس والمحسوس نوع مضاد للعقل والمعقول ليس نسبة أحدهما إلى الاخر نسبة النقص إلى الكمال والضعف إلى الشدة ، بل لكل منهما في حدود نوعه مراتب في الكمال والنقص لا يمكن لشيء من افراد أحد النوعين المتضادين ان ينتهي في مراتب استكمالاته واشتداده « 2 » إلى شيء من افراد النوع الآخر . فالابصار إذا اشتد لا يصير تخيلا مثلا ولا التخيل إذا اشتد يصير تعقلا ولا بالعكس ، نعم إذا اشتد التخيل تصير مشاهدة ورؤية بعين الخيال لا بعين الحس ، وكثيرا ما يقع الغلط من صاحبه انه رأى بعين الخيال أم بعين الحس الظاهر ، كما يقع للمبرسمين
--> ( 1 ) - كلما - النسخة البدل في جميع النسخ . ( 2 ) - اشتداداته - م - ط .