صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

140

شرح أصول الكافي

اللّه إلى كافة الخلق من الجن والانس بما انزل إليه من ربّه من قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً وقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ؟ فهذه آيات ثلاث دلت كل واحدة منها على نفي الرؤية له عنه ، اما دلالة الأولى فظاهرة ، وامّا الثانية فلان كلّ من ابصر شيئا فقد أحاط به علما بلا خلاف لاحد فيه كما سينبه عليه ، وامّا الثالثة فلانّ الابصار عبارة عن حصول صورة الشيء في حسّ البصر ، فما لا مثل له لا يمكن حصول صورته في الحسّ ، وحيث إنه تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فاستحال تعلق الابصار به . ثم قال على وجه الاستفهام تأكيدا وتصريحا : أليس محمد ، اي ليس محمد المبلغ ؟ ولما اعترف أبو قرة بان المبلغ عن اللّه بهذه الآيات هو محمد صلّى اللّه عليه وآله بقوله : بلى ، قال : فكيف يجيء رجل إلى قوله : أما تستحيون ، افصح عليه السلام عن ظهور كذبهم وفساد رأيهم في باب الرؤية بوجوه من البيان من اتيانه الكلام على وجه الاستفهام الانكاري والدلالة على أن ما زعموه مستلزم لنسبة الكذب إلى خير البرية على أقبح وجوه الكذب : منها كونه كذبا على اللّه وهو أقبح الكذبات ؛ ومنها انه متضمن لمناقضة نفسه ، لان السالبة الكلية تناقضها الموجبة الجزئية والشخصية ، ورب كاذب لا يكون كذبه مناقضا ، فهذا أقبح وأشنع ؛ ومنها انه جاء إلى الخلق من عند اللّه للاخبار بما هو المناقض لما اخبر عن نفسه ؛ ومنها انه دعاهم بأمر اللّه إلى ذلك المناقض ، فالذي اخبر عن اللّه هو قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، و لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ، و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . والذي اخبر عن نفسه بزعم هؤلاء مناقضا لما اخبر عن اللّه ، هو ان يقول انا رأيته بعيني ، وهو موجب شخصي يناقض سالبا كليا هو لا تدركه الابصار ، ويقول أحطت به علما ، يناقض لا يحيطون به علما ، وقوله : على صورة البشر يناقض ليس كمثله شيء ، لان المراد به اما كون الرائي يعني النبي صلّى اللّه عليه وآله على صورة البشرية حين « 1 » كان رآه بهذا البصر الحسي ، فقد علمت أن كلما أدرك بآلة الحس فهو ذو مثل ، واما كون المرئي وهو اللّه على صورة البشر ، بناء على ما روته العامة ان محمدا صلّى اللّه عليه وآله رأى ربه على صورة الشاب المراهق ، فهو صريح في اثبات المثل له تعالى . ولما ابان غاية كذبهم وافترائهم على الرسول ونهاية وقاحتهم وسوء ادبهم له قال : اما

--> ( 1 ) - حتى - ط .