صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

120

شرح أصول الكافي

الاعلى لوجوده مكنونا ، فلأجل ذاته بنى العالم ونظم النظام لا لشيء آخر ، وكما أنه الاوّل والاخر بهذه المعاني التي ذكرناها فهو الظاهر والباطن . امّا كونه ظاهرا : فلانّ حقيقته حقيقة الوجود ، والوجود ليس الا النّور والظهور كما انّ مرجع الظّلمة والخفاء إلى العدم ، فلا أنور ممن هو نفس حقيقة الوجود كما لا أظلم من كتم العدم ، قال اللّه تعالى : « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » . . . الآية » . واما كونه باطنا اي مختفيا فلفرط نوريته وشدة ظهوره وغاية وضوحه وجلائه وضعف قوة العقول والحواس والبصائر والابصار عن احتمال نوره وعجزها عن قبول تجليه ، فذاته بذاته متجلّ دائما ولقصور بعض الذوات عن قبول تجليه محتجب عنهم ، فبالحقيقة لا حجاب الا القصور والضعف في المتجلي لهم ، وليس تجلّيه الا حقيقة ذاته ، إذ لا معنى له إلّا صريح ذاته وانّ صفاته ليست إلّا ذاته ، كما شهدت به الأحاديث الناطقة المتظافرة حسبما أوضحه الإلهيون . أو لا ترى ان نور الشّمس الذي هو اشدّ الأنوار الحسيّة كيف احتجب لفرط ظهورها على الحسّ البصري حتى لا يمكن للبصر ملاحظته الا من وراء الحجاب كالمرآة والماء أو الرقيق من السحاب ؟ كما قيل : كالشّمس يمنعك اجتلاؤك وجهها * فإذا اكتست برقيق غيم امكنا فسبحان من ليس لوجهه نقاب الّا النور ولا لذاته حجاب الا الظهور ، فاختفى عن بصائر الخلق لنوره « 2 » واحتجب عن عقولهم لفرط ظهوره وهو بكل شيء عليم ، لأنه بكل شيء محيط ، لان ذاته اظهر الأشياء وبيده ملكوت الأرض والسماء ومنه تنشأ حقائق الأشياء . الآية الرابعة قوله هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ * . اعلم أن من عجائب أنوار التنزيل واسرار التأويل معرفة هذه الآية الواقعة في عدة مواضع من القرآن ، وقد تحيّرت عقول الناظرين وافهام المفسّرين في وجدان السّبب الدّاعي على كون العالم مخلوقا في ستة أيام ، دون غيره من الاعداد ، وأيضا اليوم والساعة والشهر من ابعاض الزمان ، المتأخر وجوده عن الحركة المتأخرة وجودها عن الجسم ، فكيف يقدر فعل الشيء بما يتأخر وجوده عنه وأيضا هذا كالمناقض لقوله :

--> ( 1 ) - النور 35 . ( 2 ) - نوره - م - بنوره - د .