صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

118

شرح أصول الكافي

وحكاية تسبيح الحصى في كف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسماعه واسماعه امر مشهور في السنة الرواة مذكور . وما روى أيضا عن ابن مسعود أنه قال : كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله حجر ولا مدر الا ويقول : السلام عليك يا رسول اللّه ، وأمثاله كثيرة في الروايات دالة على أن هذا التسبيح والسجود والتسليم واقع على وجه التحقيق . حتى أن كثيرا من المنتسبين إلى الكشف والعرفان زعموا ان النبات بل الجماد فضلا عن الحيوان ، له نفس ناطقة كالانسان ، وذلك امر باطل والبراهين ناهضة على خلافه من لزوم التعطيل والمنع عما فطر اللّه طبيعة الشيء عليه ودوام القسر على افراد النوع والابقاء له على القوة والامكان للشيء من غير أن يخرج إلى الفعلية والوجدان إلى غير ذلك من المفاسد الشنيعة المصادمة للبرهان والحكمة . بل هذا تسبيح فطري وسجود ذواتي وعبادة فطرية نشأت عن تجل إلهي وانبساط نور وجودي على كافة الخلائق على تفاوت درجاتها وتفاضل مقاماتها في نيل الوجود ودرك الشهود ، ومع هذا التفاوت والتفاضل في القرب والبعد والشرف والخسة ، فافراد العالم كله كاجزاء شخص واحد تنال من روح الحياة وروح المعرفة ما ناله الكلّ دفعة واحدة ، فأنطقها اللّه الذي انطق كل شيء ، فأجبته وخضعته « 1 » وسجدت له بسجود الكلّ وسبحت له بتسبيحات هي اجزاء تسبيح الكل ، كل قد علم صلاته وتسبيحه « 2 » . والذي يمنع عن هذه العبادة الفطرية ، الافكار الوهمية والتصرفات النفسانية لأكثر الانس الموجبة للخروج عن الفطرة الأصلية واستحقاقية العذاب كما في قوله تعالى : « وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ » « 3 » . وبالجملة تحقيق هذا التسبيح الفطري واثبات هذه العبادة الذاتية مما يختص به الكاملون في الكشف والعرفان الرّاسخون في العلم والايقان ، واما سماع اللفظ أو اسماعه كما هو المروي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وصحبه فذلك من باب المعجزة الواقعة لقوة نفسه

--> ( 1 ) - فاجابته وخضعت له . النسخة البدل في بعض النسخ . ( 2 ) - النور 41 . ( 3 ) - الحج 18 .