صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
74
شرح أصول الكافي
فليس النور هناك بكثرة الاعمال انما النور بقدر قوة العلم والايمان ، وانما يعظم ثواب الأعمال بحسب ما لها من النيات وبحسب مدخليتها في اكتساب العلوم والأحوال . فإذا تقرر ما ذكرنا وتحقق ان مدار الفضل والتفاضل بين العباد عند اللّه هو بحصول نور العلم في قلوبهم وفيه يقع الموازنة والمفاضلة بميزان يوم الحساب فنقول : لما كان النور الحسى البصري مثالا للنور المعنوي العلمي ، والتفاوت بين مراتبه مثال التفاوت بين مراتب ذلك النور ، وان كان التفاوت فيما هناك يبلغ إلى حد اللا نهاية بخلاف ما هاهنا لامتناع اللاتناهي في الأجسام والجسمانيات ، فوقع التمثيل في التفاضل بين علم العالم وعبادة العابد بنور القمر ونور النجوم ، وانما يصح هذه المقايسة لما في العبادة من اشتراط ضرب من العلم المنغمر في عمل العابد . واشترط في هذا التمثيل أيضا أمران : كون القمر بدرا لا هلالا ولا في حالة التربيع وغيره ، وكون البدر واقعا في الليلة لا في النهار إذ نور البدر ضعيف في النهار ، واما الليلة القمراء فأكثر النجوم مضمحلة النور فيها والقليلة منها في غاية ضعف النورية فحينئذ يحصل التقريب في هذا التمثيل الّذي لبيان التفاوت في الفضل بين العالم والعابد . ثم لا يخفى عليك ان المراد بالعالم المذكور في هذا الحديث غير العالم الرباني الّذي علمه لدني حاصل بالموهبة الربانية كعلوم الأنبياء والأولياء عليهم السلام كما يدل عليه التمثيل بالقمر ، والا لكان اللائق ان يمثل له بالشمس ، لأنها التي نورها مستفاد من إفاضة اللّه تعالى بلا توسط شيء اخر من نوعه أو جنسه بخلاف سائر الاجرام الكوكبية كالقمر والنجوم ، كما هو التحقيق عند حكماء الفرس والاشراقيين وتبعهم الشيخ السهروردي في حكمة الاشراق حيث قال :