صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
58
شرح أصول الكافي
وبحث حجية العقل العملي ، وكل من البحثين نتناوله على صعيدين : الأول : الصعيد الفلسفي ، الثاني : الصعيد الفقهي الأصولي ، وأليك البحثان على كلا الصعيدين . حجية العقل النظري على الصعيد الفلسفي قد مضى ان معنى الحجية على صعيد الفلسفة هو الاثبات الموضوعي للواقع والكشف الموضوعي عن الحقيقة من دون اى ريب ولا نقص ، وهذا يعنى ان لقضايا العقل ، قيمة موضوعية ، اى ان العقل يقدر على الكشف عما ورائه ، ونحن نقول بقدرته على ذلك ، واما الذين ينفون قدرته على كشف الواقع فهم نافون لحجيته بالمعنى المذكور ، إذ غاية ما يتأتى للعقل في رأيهم هو الاثبات الذاتي النفساني للأشياء ، واما ان لها مصاديق واقعية وراء ميدان العقل فهو قاصر عنه ، فالحجية عندهم ليست بمعناها بل بمعنى اللابدية والاضطرار الذهني الّذي لا يمت إلى الواقع الخارجي بصلة ، فهذا « كانت » ينص على أن العقل النظري يصاب بالتناقض مهما أراد الخروج عن حده وأراد تناول الأشياء الموضوعية ، اى الأشياء في أنفسها بقطع النظر عن معلوميتها للعقل . فالقضايا التي تعنى الأشياء الموضوعية الخارجية قضايا جدلية لا تلجئ إلى ركن وثيق ، ومن هنا رأى « كانت » عجز العقل النظري عن اثبات المبدأ الإلهي واثبات خلود النفس وغيرهما من الموضوعيات . وهكذا نجد اتباع « كانت » وموافقيه قد اخرجوا العقل عن مكانته القاهرة وانزلوه عن سلطته الجبارة ، لكنه قد فاتهم انهم انما فعلوا ذلك بقدرة العقل وعلى أصوله ، وهذا يعنى انهم اذعنوا مسبقا بالحجية المطلقة للعقل ، فأينما ساقهم العقل ذهبوا إليه ، فلو لم يكن العقل حجة عندهم مسبقا من دون شرط ولا حدّ لم يكن لهم اتباعه فيما أعطاه لهم من الفلسفة الذاتية اللاموضوعية . ويتبين من هذه المناقشة ان التحديد من حجية العقل بمعناها المذكور لا يصح الا بالتناقض . اذن تبين ان حجية العقل على صعيد العلم الكلى حجية موضوعية تباشر الأشياء في أنفسها ، كما تبين ان حجيتها ذاتية بالمعنى المقابل للعرض لا بالمعنى المقابل للموضوعى ، فلا يعقل سلبها عنه ، بيد ان كل حجة حجة بالعقل ، فهو حجة على الواقع