صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

35

شرح أصول الكافي

يسع التفصيل لعرضنا أقاويل عدد من المحققين في هذه المسألة حتى يعلم كيف خلطوا القضايا واتعبوا أنفسهم بلا فائدة فيه ، حيث فقدوا الطريق الاكتشافى الصحيح لتحصيل حد العقل العملي ، وكأنهم ذهلوا عن عدم مباشرة العقل مطلقا لاي حكم جزئي وعدم مبدئيته المباشرية للتحريك . وهنا دقيقة يجب التنبه لها ، وهي ان العقل العملي كما يصدر حكما جزئيا بدليل منافاة الجزئية لشأنه ، كذلك لا يصدر بما هو عملي حكما كليا كبرويا ، إذ الكلية من مختصات الادراك النظري ، وانما يدرك هو حسن طبيعة العدل مثلا ، واما ان كل عدل حسن أو واجب فهو مما يستحصله عن طريق القوة النظرية . فالكبرى الكلية الأخلاقية قضية محصلة من نوعين من الادراك ، ومنبثقة نهائيا من أصول الادراك النظري ومجموعة من سائر القوى والمختصات التي ترجع بجذورها إلى صفات النفس ومراتبها وإلى نوع من العلم . فالعقل العملي يستمد في قضاياه من مجموعة متداعمة بما فيها ادراكات العقل النظري لكن معلومه الخاص هو ما يتصل بالعمل من الناحية الأخلاقية محضا ، واما باقي الأمور من الكلية والعمل والتطبيق وغيرها فهي وظائف العقل النظري وعلى هذا الضوء ليتضح ان الاخلاق عندنا مفسرة تفسيرا واقعيا مثاليا ، وان كانت مصبوبة في ظاهر امرها في صيغ اعتبارية ، وضمن اطارات تتبلور بالقيم المجردة عن الواقع ، ولو كانت الاخلاق مجرد الاعتبارات والقيم المجردة ، لكانت جوفا من دون استناد إلى أصول حقيقية ولا غايات كمالية ، واننا لننفى في طريقتنا التفكرية اى اعتبار ليس ورائه واقع ، وأية قيمة لا تستمد كيانها من الواقعيات بما فيها مبدأ الواقعية الواجب وأصول الكون ومراتب النفس ومراحل الوجود ومنازله . ولسنا في موقفنا هذا موافقين للواقعيين الماترياليين ولا للمثاليين بوصفهما ، اتباعا لمدرستين اخلاقيتين متضاربتين بالتنافى ، بل انما نوافق الطريقة التفكيرية المتعالية المركزة على أسس الوجود كله ، وقد شرحناها بطرف منها في مقدمة على كتاب « مفاتيح الغيب » لصدر الدين الشيرازي ، وهذه الأخلاقية الواقعية بمفهومها الخاص