رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

71

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

عقد قريش ولم يوافق بني هاشم ، فتحصّنوا بالشعب ، وكانت حظّ هاتين القبيلتين فيه ، وبقيت بنو هاشم وبنو المطّلب في الشعب ثلاث سنين مقطوعاً عنهم الميرة والتفقّد حتّى ضاقت بهم الحال ، وجعل صبيانهم يتضايعون من الجوع ، ثمّ سلّط اللَّه الأرضة على الصحيفة ، فأكلت منها كلّ ما كان فيها من ذكر جور وقطيعة رحم ، وتركت ما كان فيها من اسم اللَّه ، وأوحى بذلك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فذكر لعمّه أبي طالب ، فاجتمعت بنو هاشم وبنو المطّلب ، ولبسوا أحسن ثيابهم ، فخرجوا إلى الحِجر ، وجلسوا مجالس ذوي الأقدار من قريش ، ثمّ قال أبو طالب : يا معشر قريش ، إنّا قد جئناكم لأمر ، فأجيبوا فيه بالمعروف . فقالوا : مرحباً بك ، فقل ما تحبّ ، فعندنا ما يسرّك . فقال أبو طالب : إنّ محمّداً أخبرني ولم يكذبني قطّ ؛ أنّ اللَّه تعالى سلّط على صحيفتكم الأرضة ، فلحست كلّ ما كان فيها من ذكر جور وقطيعة رحم ، وترك ما كان فيها من ذكر اللَّه ، فإن كان صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم ، وإن كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه أو استبقيتموه . فقالوا : قد أنصفتنا ، ثمّ تمالأت جماعة من قريش في نقض شأن الصحيفة ، فلمّا أحضرت ونشرت إذا هي كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فعند ذلك سُقط القوم في أيديهم ، وعلموا أنّهم كانوا ظالمين ، ثمّ مزّقت الصحيفة ، وخرج الناس من الشعب وتخالطوا من بعضهم بعضاً ، ثمّ عادت قريش لعداوتها ؛ فهذا معنى قوله عليه السلام : « إنّ بني المطّلب لم يفارقونا في جاهليّة » . انتهى . والغرض من النقل عن المطرزي أن يعلم أنّ أهل الخلاف اعترفوا من حيث لا يشعرون أنّ أبا طالب كان مؤمناً حيث نقلوا قوله : « إنّ محمّداً أخبرني ولم يكذبني قطّ » . وفي قصيدته اللاميّة المشهورة بين الخاصّة والعامّة : ألم تعلموا أنّ ابننا لا مكذّب * لدينا ولا يعبأ بقول الأباطل « 1 » وسننقل قدراً وصل إلينا من هذه القصيدة إن شاء اللَّه تعالى . قوله : ( شَنَأَ المُقامَ بمكّة ) . في الصحاح : « الشناءة مثل الشناعة : البغض » . قوله : ( حين أوجبتُ لك الطاعةَ على خَلْقي ) . [ ح 4 / 1195 ]

--> ( 1 ) . إيمان أبي طالب للشيخ المفيد ، ص 21 ؛ روضة الواعظين ، ص 139 ؛ شرح نهج البلاغة ، ج 14 ، ص 79 ؛ البداية والنهاية لابن كثير ، ج 3 ، ص 74 .