رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

41

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

لأن يتغيّر ويزول ؛ لعدم ابتنائه على البصيرة واليقين ، بل على الاستحسان وميل الطبع ؛ لظاهر الحال ، أو رجاء الغلبة على الأقران ، وحصول الجاه بين الأمثال الناشئ من استخبار حال مدّعي الدين بحسب العاقبة والمآل من الكهنة وأهل الرياضات ، كما هو شأن أبناء الزمان في استخبار حال صاحب خروجٍ ظهر في عصر من الرمّالين والمنجّمين ، وإذا أخبروا بأنّه سيظهر على المعارضين ويرتفع أمره ، حصل لمن له داعية لجاهٍ ميلٌ قلبيّ إليه ، وتعاونه بيده ولسانه وماله حسب ما يرى من مصلحة الوقت . ويظهر من النقل المعتبر أنّ إيمان الثاني كان مبتنياً على هذا ؛ نقل العلّامة الزمخشري في الفائق في الصاد مع الدال : أنّ عمر سأل الأسقف عن أحوال الخلفاء ، فحدّثه حتّى انتهى إلى نعت الرابع ، فقال : صدع من حديد . قال عمر : وادفراه . ثمّ فسّر الزمخشري الصدع بالوعل بين الوعلين ليس بالغليظ ولا بالشخت ، ثمّ قال : أي متوسّط في خلقه ، لا صغير ولا كبير شبهه في خفّته في الحروب ونهوضه على مزاولة صعاب الأمور حين أفضى إليه الأمر بالوعل ؛ لتوغّله في شعفات الجبال والقلل الشاهقة . وجعل الصدع من حديد مبالغةً في وصفه بالبأس والخفّة والصبر في الشدّة . والمراد عليّ رضي الله عنه وما حدث في أيّامه من الفتن ، ومُني به من تقاتله أهل الإسلام ومناجزة المهاجرين والأنصار ، وملابسة الأمور المشكلة ، والخطوب المعضلة ، ولذلك قال عمر : وادفراه . والدفر : النتن تضجّراً من ذلك واستفحاشاً « 1 » . انتهى كلام الزمخشري في الفائق . وقد استخبر عمر في هذا الأمر الكعب أيضاً كما نقله صاحب النهاية « 2 » . وهذا حال أكثر أبناء الدنيا الذين في أنفسهم داعية الترفّع والجاه ، يستخبرون الكهنة والرمّالين ولو كانوا من غير مذهبهم ، ويتهيّأون لمقدّمات ما أخبروا ، ويدبّرون التدبيرات المناسبة . ويعضد هذا النقل ما روي أنّ سنّيّاً قال لشيعي : لُاوقعنّك في مضيق لا تجد مخرجاً

--> ( 1 ) . الفائق في غريب الحديث ، ج 2 ، ص 240 ( صدع ) . ( 2 ) . النهاية ، ج 3 ، ص 15 ( صدأ ) .