رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

337

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

فبان بهذا البيان أنّ الرجوع في كلام البيضاوي وهو الرجوع رجوع اللَّه ، فمعنى استعتابهم سؤالهم من اللَّه أن يرجع عن الإساءة التي كانوا يستحقّونها إلى الفضل والإحسان الذي يحبّونه ويسرّون به ، ومعنى اعتابه تعالى إيّاهم إجابة هذا السؤال والرجوع إلى إعطاء ما يحبّون ويرضون . في الصحاح : « تقول : استعتبته فأعتبني ؛ أي استرضيته فأرضاني » . « 1 » فليس استعتاب العباد طلب رضى اللَّه ، بل طلب فعل منه تعالى يوجب أن يرضوا ، فقوله تعالى : « فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ » أي ليسوا مجابين بأن يفعل بهم ما يوجب مسرّتهم ورضاهم . وظهر من القراءة الثانية صحّة إسناد الاستعتاب إلى اللَّه ، ويكون معناه حينئذٍ أن يطلب منهم ما يرضونه به من التوبة والأعمال الحسنة ، واللَّه تعالى أخبر على القراءة الثانية أنّه على فرض أن يستعتبهم ، أي يطلب منهم فعل ما يرضونه به من التوبة والأعمال الصالحة لا يستطيعون ذلك ؛ لفوات وقت التوبة والعمل ؛ لأنّ الآخرة دار الجزاء ، لا وقت العمل . وأخبر أيضاً في سورة الروم أنّه لا يستعتبهم حيث قال : « فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ » « 2 » أي لا يقعون مواقع استعتاب اللَّه إيّاهم ؛ أي طلبه تعالى منهم فعلًا يرضونه به . وبالجملة ، لا يطلب منهم هنالك إرضاءه كما طلب في دار الدنيا . قال البيضاوي : « وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ » : لا يُدعون إلى ما يقتضي إعتابهم ، أي إزالة عتبهم من التوبة والطاعة ، كما دعوا إليه في الدنيا ؛ من قولهم : استعتبني فلان فأعتبته ، أي استرضاني فأرضيته . « 3 » وإذا أحطت بما ذكرناه أيقنت أنّ الخبر الذي نحن بصدد شرحه ناظر إلى آيات

--> ( 1 ) . المصدر . ( 2 ) . الروم ( 30 ) : 57 . ( 3 ) . أنوار التنزيل ، ج 4 ، ص 343 .