رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
284
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
بلغه أنّه دُعي إلى وليمة هُيّئ له ألوان من الأطعمة اللذيذة : « فانظر إلى ما تَقْضَمُه من هذا المَقْضَم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه فَنَلْ منه ، ألا وإنّ لكلّ مأمومٍ إماماً يقتدي به ويستضئ بنوره ، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطِمْرَيْه ، ومن طُعْمه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد » الحديث . « 1 » فليتأمّل في قوله عليه السلام : « ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد » . وسيجئ في باب الحبّ في اللَّه والبغض في اللَّه عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : « كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى بعض أصحابه يَعِظُه : أوصيك ونفسي بتقوى من لا تَحِلُّ معصيته ، ولا يرجى غيره ، ولا الغناء إلّابه ، فإنّ من اتّقى اللَّه عَزَّ وقوي وشبع ورَوِيَ ورُفِعَ عقلُه عن أهل الدنيا ، فبدنه مع أهل الدنيا وقلبه وعقله مُعايَنُ الآخرة ، فأطْفَأَ بضوء نوره ما أبصرَتْ عيناه من حبّ الدنيا ، فقدّر حرامَها ، وجانب شبهاتها ، وأضرّ واللَّه بالحلال الصافي إلّاما لا بُدَّ منه من كسرة يشدّ بها صلبه ، وثوب يواري به عورته من أغلظ ما يجد وأخشنه ، ولم يكن له فيما لابدّ [ له ] منه ثقة ولا رجاء ، فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء ، فجدّ واجتهد ، وأتعب بدنه حتّى بدت الأضلاع ، وغارت العينان ، فأبدل اللَّه له من ذلك قوّةً في بدنه ، وشدّةً في عقله ، وما ذُخِرَ له في الآخرة أكثر ، فَارفُضِ الدنيا ؛ فإنّ حبّ الدنيا يُعمي ويُصمّ ويُبكم ، ويُذلّ الرقاب ، فتدارَكْ ما بقي من عمرك ، ولا تقل : غداً [ أو ] بعد غدٍ ؛ فإنّما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأمانيّ والتسويف حتّى أتاهم أمر اللَّه بغتةً وهم غافلون ، فَنُقِلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيّقة ، وقد أسلمهم الأولاد والأهلون ، فانقطع إلى اللَّه بقلبٍ مُنيب من رفض الدنيا ، وعزمٍ ليس فيه انكسارٌ ولا انخزال ؛ أعاننا اللَّه وإيّاك على طاعته ، ووفّقنا اللَّه وإيّاك لمرضاته » . « 2 »
--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 416 ، الكتاب 45 . وعنه في وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 159 ، ح 33480 . ( 2 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 136 ، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها ، ح 23 .