رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

88

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

حديث عن الرضا عليه السلام ، قلت : يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ، فلم نعلم أيّهما الحقّ ؟ قال : « إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت » . « 1 » علّق التوسيع بالعمل بأيّهما شاء على عدم العلم بالحكم الواقعي فحسب ، ولم يعتبر تأخّر هذا الوجه عن استعمال المرجّحات المأثورات إن تيسّرت مع ورود الأمر به . فيعلم من ذلك أنّ الترجيح واستعمال المرجّحات هو الأصل ، والتوسيع بالعمل بأيّهما شاء على وجه التسليم من باب الرخصة ورفع الضيق عنّا شفقة علينا في دار الهدنة ، مثل أداء الظهر عند زوال الشمس والرخصة في تأخيرها إذا عرض لهم شغل كيلا يكونوا مضيّقاً عليهم ، وكثيراً ما يقول الصدوق عند تعارض الخبرين : « هذا الخبر أصل ، وذاك رخصة » . « 2 » وسيجئ في باب التفويض إلى رسول اللَّه : « وعاف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أشياءَ وكرهها ، لم يَنْهَ عنها نهيَ حرام ، إنّما نهى عنها نهيَ إعافة وكراهة ، ثمّ رخّص فيها ، فصار الأخذ بِرُخَصِه واجباً على العباد ، كوجوب ما يأخذون من عزائمه « 3 » ، ولم يرخّص لهم رسول اللَّه فيما نهاهم عنه نهيَ حرامٍ ، ولا فيما أمر به أمْرَ فَرْضٍ لازم » الحديث . « 4 » وفي قوله عليه السلام : « فموسّع عليك » إشعار بالرخصة كما لا يخفى . وكذا في قوله عليه السلام : « من باب التسليم » كما في حديث آخر . وتكثير طرق الترجيح أيضاً للتوسيع ، وإطلاق ذكر الوجوه وعدم التقييد بالترتيب - كما ستعرف - شاهد صدق على ذلك ، وعلى هذا ذكر بعضها في خبر وآخَر في آخَرَ بلا التزام ترتيب ونسق ؛ لكونها متساويةَ الأقدام في تحصيل الغرض ، ولا مزيد فائدة في التصريح بذلك التساوي ، بل هو كما تأمر أحداً يسألك عن كفّارة ماله - في الواقع ثلاث كفّارات كلٌّ تقوم مقام الأخرى في حال السعة - بواحدة منها على سبيل الاتّفاق ، أو

--> ( 1 ) . الاحتجاج ، ج 2 ، ص 357 . ( 2 ) . انظر على سبيل المثال : الفقيه ، ج 1 ، ص 85 ، ذيل ح 188 . ( 3 ) . في المصدر : « بنهيه وعزامه » بدل « من عزائمه » . ( 4 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 266 ، ح 4 .