رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
628
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
من خالفهم من العترة يعتمد في الحكم والتأويل على ما يعتمد عليه علماء العامّة من الاجتهاد والرأي والقياس في الفرائض السمعيّة التي لا علّة في التعبّد بها إلّاالمصلحة ؛ فعلمنا بذلك أنّ المخالفين لهم مبطلون . ثمّ ظهر لنا من علم هذه الطائفة بالحلال والحرام والأحكام ما لم يظهر من غيرهم ، ثمّ ما زالت الأخبار بنصّ واحد على آخر حتّى بلغ الحسن بن عليّ عليهما السلام ، فلمّا مات ولم يظهر النصّ والخلف بعده ، رجعنا إلى الكتب التي كان أسلافنا رووها قبل الغيبة ، ووجدنا فيها ما يدلّ على أمر الخلف من بعد الحسن عليه السلام ، وأنّه يغيب عن الناس ويخفى شخصه ، وأنّ الشيعة يختلف ، وأنّ الناس يقعون في حيرة من أمره ، فعلمنا أنّ أسلافنا لم يعلموا الغيب ، وأنّ الأئمّة عليهم السلام أعلموهم بذلك بخبر الرسول ، فصحّ عندنا من هذا الوجه بهذه الدلالة كونه ووجوده وغيبته ، فإن كان هنا حجّة تدفع ما قلنا فليظهر الزيديّة ، فما بيننا وبين الحقّ معاندة ؛ والشكر للَّه . « 1 » ثمّ قال - يعني صاحب الكتاب - : ليس الأمر كما يتوهّمون في بني هاشم ؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله دلّ امّته على عترته بإجماعنا وإجماعكم التي هي خاصّته التي لا يقرب أحد منه صلى الله عليه وآله كقربهم ، فهي لهم دون الطلقاء وأبناء الطلقاء ، ويستحقّها واحد منهم في كلّ زمان ؛ إذ كان الإمام لا يكون إلّاواحداً بلزوم الكتاب والدعاء إلى إقامته بدلالة الرسول صلى الله عليه وآله عليهم : « أنّهم لا يفارقون الكتاب حتّى يردوا عليَّ الحوضَ » . وهذا إجماع ، والذين اعتللتم بهم من بني هاشم ليسوا من ذرّيّة الرسول وإن كان لهم ولادة ؛ لأنّ كلّ بني اميّة « 2 » ينتمون إلى عصبتهم « 3 » ما خلا ولد فاطمة عليها السلام ؛ فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عصبتهم وأبوهم ، والذرّيّة هم الولد ؛ لقول اللَّه عزّ وجلّ : « إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ » « 4 » . فأقول - وباللَّه اعتصم - : إنّ هذا الأمر لا يصحّ بإجماعنا وإجماعكم عليه ، وإنّما يصحّ
--> ( 1 ) . كمال الدين ، ص 113 - 114 . ( 2 ) . في المصدر : « بني ابنة » . ( 3 ) . أي ينتسبون . وعصبة الرجل : بنوه وقرابته لأبيه ، وإنّما سمّوا عصبة لأنّهم عصبوا به ، أي أحاطوا به ، فالأب طرف والابن طرف ، والعمّ جانب والأخ جانب . والعصبة اسم جنس يطلق على الواحد والكثير . وقال الفيروزآبادي : « العصبة : الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد ولا ولد ، فأمّا في الفرائض فكلّ من لم يكن له فريضة مسمّاه فهو عصبة » . راجع : الصحاح ، ج 1 ، ص 182 ؛ قاموس المحيط ، ج 1 ، ص 104 ( عصب ) . ( 4 ) . آل عمران ( 3 ) : 36 .