رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

592

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

العقل يستنكف أشدّ الاستنكاف من أن يقلّد جماعة عقيدتهم أنّ اللَّه تعالى فوّض شرائع دينه إلى ظنونهم وآرائهم ، وليس له في الوقائع الحادثة حكم في الواقع ، بل حكمه تابع لرأي المجتهد ، فلمّا استقرّ عليه ظنّه فه 2 ض‌ير حكم اللَّه وإن كان رأي أحد مخالفاً لرأي الآخر ، كما هو قانون التصويب ، أو كان له عليه السلام في كلّ قضيّة حكم ولكن لم يبيّن لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فيكون للمجتهدين مجال يجولون فيه بالتضنّي والتخمين ، فإن أصابوا الواقع فلهم أجران ، وإن أخطأوا فأجر واحد ، كما هو قاعدة التخطئة ، ويحكمون بما استقرّ عليه آراؤهم على دماء المسلمين وأموالهم وفروجهم ، تبكي منهم المواريث ، وتصرخ منهم الدماء ، ويستحلّ بقضائهم الفرج الحرام ، ترى أحدهم بكّر فاستكثر من جمعٍ ، ما قلّ منه خير ممّا كثر ، إذا ارتوى من آجنٍ ، واكتنز من غير طائل ، جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتلخيص ما اشتبه على غيره « 1 » ، لا يبالي أن يخالف رأي مَن كان قبله ، ولا يأمن أن ينقض حكمه ، ويعكس ما أخذ ، وأعطى برأيه من يجيء بعده ، فقلت ما قال الشاعر ( شعر ) : شرع اگر اينست وقاضى اين وقاضى زاده اين * الوداع اى باغ وبستان وسراگاه وزمين ووجدت المنتمين إلى الإسلام كلّهم إمّا مصوّبة أو مخطّئة إلّاالفرقة المحقّة الاثناعشريّة - مَدَّ اللَّه ظلالهم ، وكثّر اللَّه أمثالهم - فإنّهم يقولون : إنّ دين اللَّه لا يُصاب بالقياس « 2 » ، وإنّ من طلب الدين بالقياس لم يزل دهرَه في ارتماس « 3 » ، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم يخرج من الدنيا إلى جوار اللَّه تعالى حتّى أكمل للُامّة دينهم ، وليس قد تركهم في غياهب الجهالة وبوادي الضلالة تائهين عطشين ، يعدو كلّ طائفة منهم بطمع الارتواء إلى سراب بقيعة ، ويتبع كلّ فرقة تائهاً مثلهم رجاءَ الاهتداء إلى أرض مريعة ، بل قد

--> ( 1 ) . اقتباس من الرواية المنقولة عن عليّ عليه السلام في الكافي ، ج 1 ، ص 54 ، باب البدع والرأي والمقائيس ، ح 6 . ( 2 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 57 ، باب البدع والرأي والمقائيس ، ح 14 ؛ بصائر الدرجات ، ص 146 ، ح 23 ؛ وص 149 ، ح 16 . ( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 57 ، باب البدع والرأي والمقائيس ، ح 17 ؛ قرب الإسناد ، ص 7 .