رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

55

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

قوله : ( الدائم الذي به قوامُها ) . دوامه تعالى مرجعه الوجوب الذاتي وامتناعُ سبق العدم ولحوقه ، لا ما توهّم من استمرار الوجود في الزمان الموهوم ، فإنّه محض اختراع الوهم ، والداعي إليه إنّما هو الاعتياد بالزمانيّات . وفي الخطبة التي سبق نقلها من كتاب العيون : « واحد لا من عدد ، ودائم لا بأمد » . وفي توحيد الصدوق في خطبة الرضا عليه السلام حين قال له بنو هاشم : يا أبا الحسن ، اصعد المنبر ، وانصب لنا علماً نعبد اللَّه عليه : « سبق الأوقاتِ كونُه ، والعدمَ وجوُده ، والابتداء أزله » . « 1 » والقوام - بالكسر - : نظام الأمر وعماده وملاكه ؛ كذا في القاموس . « 2 » وفيه : « مَلاك الأمر - ويكسر - : قوامه الذي يُملَكُ به » . « 3 » وفي الأساس من المجاز : « هذا ملاك الأمر : قوامه وما يملك به ، والقلب ملاك الجسد » انتهى . « 4 » وفي هذه الفقرة إشارة إلى ما ذهب إليه أهل الحقّ من أنّ العالَم وكلّ جزء منه محتاج إليه تعالى في قوام ذاته وما يتبعها من صفاته في كلّ آن ، وليس كالبناء الذي يقوم بنفسه في الظاهروإن فنى الباني ، كلّا « إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا » « 5 » بل نسبتها إليه سبحانه كنسبة المهيّة إلى الوجود في الاحتياج إلى الكون ، بل لا نسبة بين النسبتين لو كشف الغطاء من البين ، وما ذكروا من المثال تقريبٌ للأفهام ، وتعبيرٌ عن غاية الاحتياج ، ولقد أحسن من قال : ارتباطي برتر از وهم وقياس * هست ربّ الناس را با جان ناس قوله : ( لا يؤودُه حفظها ) . اقتباسٌ من قوله تعالى : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما » « 6 » .

--> ( 1 ) . التوحيد للصدوق ، ص 34 ، ح 2 . ( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 168 ( قوم ) . ( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 320 ( ملك ) . ( 4 ) . أساس البلاغة ، ص 604 ( ملك ) . ( 5 ) . فاطر ( 35 ) : 41 . ( 6 ) . البقرة ( 2 ) : 255 .