رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
520
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
ثمّ أقول : الآية الأولى صريحة في أنّ المراد بالكتاب في الآية الثانية القرآن ، وقد اعترف بذلك البيضاوي أوّلًا ، ثمّ جوّز أن يكون المُراد التوراة ، والموروث منهم الأمم السابقة ، ويكون آية « وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ » جملة معترضة . وهذا كما ترى . وقال في توجيه إيراد الإيراث بصيغة الماضي : « حكمنا بتوريثه منك أو نورّثه ، فعبّر عنه بالماضي لتحقّقه ، أو أورثناه من الأمم السالفة ، والعطف على « إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ » « 1 » ، « وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ » اعتراض لبيان كيفيّة التوريث » « 2 » . فأقول : يحتمل أن يكون « أورثنا » بمعنى استودعنا واستحفظنا ، و « عبادنا » عبارةً عن هذه الامّة التي علم اللَّه أنّ بعضهم أشرار ظلمة ، وبعضهم أئمّة يهدون بالحقّ ، وبعضهم مقتفي آثار الأئمّة ، ويكون « من » في « من عبادنا » ابتدائيّةً ، والجارّ متعلّق ب « اصطفينا » أي انتخبناهم من بين العباد ، والمصطفون من بين العباد المستودَعون للكتاب المستحفظون إيّاه هم صنف الأئمّة من أصناف الامّة ، وضمير « منهم » - المشتمل على الأصناف الثلاثة - للعباد ، أي الامّة ، والفاء فيه للسببيّة كما نقل صاحب المغني في قوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً » أي فصار الاصطفاء سبباً ومنشأً لأن تكون الامّة كذا وكذا « 3 » ؛ لأنّه بالاصطفاء حصل صنف ، وبمخالفة المصطفى صنف آخر ، وبمتابعته حصل صنف ثالث ؛ فلم تزد الأصناف عن الثلاثة ولم تنقص . وهذا التقسيم يحاذي في الأقسام قوله تعالى : « وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ » « 4 » الآية . « وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ » « 5 » الآية . « وَالسَّابِقُونَ
--> ( 1 ) . فاطر ( 35 ) : 29 . ( 2 ) . أنوار التنزيل ، ج 4 ، ص 419 . ( 3 ) . مغني اللبيب ، ج 1 ، ص 162 . ( 4 ) . الواقعة ( 56 ) : 27 - 31 . ( 5 ) . الواقعة ( 56 ) : 41 - 43 .