رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
516
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
علمنا من حالك أنّك لا تمنّ ولا تمسك على حسب هوى نفسك ، بل تراعي فيهما موافقة رضانا ، وقد عصمناك عن الخطأ ، فاعمل على وفق مصلحة الوقت ومقتضى المقام . وليست في الآية دلالة على رخصة النبيّ صلى الله عليه وآله للاجتهاد في نفس الأحكام كما يقول به من في قلوبهم زيغٌ ، كيف ولو كان المراد ذلك لقيل : « قل ما شئت » لا « أمسك » ؟ ! وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأمّل . وقد دلّت الأخبار الواردة عن أصحاب العصمة أنّ الحكم جاء في كلّ مَن كان معصوماً وإن كان مورده سليمان عليه السلام . قوله : ( فرسول اللَّه الذكر ) . [ ح 4 / 550 ] يمكن أن يكون « الذكر » في الآية مصدراً ، وحمله على اسم « إنّ » على طريق المبالغة ، والكاف معمول المصدر ، واللام لتقوية العمل . والأظهر أنّه اسم لما يحصل بالمصدر ، فالمراد المذكور ؛ فالحمل على الحقيقة واللام للاختصاص . والمعنى : أنّ القرآن ذِكْرنا المشتمل على الحقائق والمعارف والأحكام والمسائل كائناً لك ولقومك ، بمعنى أنّكم المختصّون بحمله ، والمبيّنون للُامّة تأويله وتنزيله وسائر ما يختصّ به القرآن ، مثل أن يكون ظهره عامّاً وبطنه خاصّاً ، وبالعكس إلى غير ذلك . هذا هو الكلام في الآية . وأمّا الحديث ، أعني قوله عليه السلام : « فرسول اللَّه الذكر » فنقول : لا شكّ في أنّ الفاء لا مدخل لها في إفادة أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الذكر ، ولابدّ لها من فائدة ، ولا بعد أن تكون الإشعار بشرط مقدّر ، كأنّه عليه السلام قال : إذا ثبت بالآية كون القرآن ذكراً يهتدي به الامّة بوساطتنا ، ورسول اللَّه هو الأصل فينا ونحن أغصانه وفروعه ، فهو بالحقيقة والمآل الذكر ؛ لأنّه ناطق عنه ، ونحن أهل الذكر . ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام حين احتال القاسطين بالدعوة إلى القرآن : « أنا كلام اللَّه الناطق » « 1 » .
--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 34 ، ح 33147 ؛ بحارالأنوار ، ج 30 ، ص 546 . وراجع : بصائر الدرجات ، ص 64 ، ح 13 ؛ التوحيد ، ص 164 ، ح 1 ؛ الاختصاص ، ص 248 .