رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
47
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
ومثله في الكشّاف ، وزيد فيه : « لأنّه مُولى أعظم النِّعم ، فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع » . « 1 » أقول : لا شكّ في أنّه تعالى مُولى أعظم النِّعم ، وأنّه حقيقٌ بأقصى غاية الخضوع ، ولكنّ الكلام في أنّه هل هو معنى العبادة ومناط تحقّقها ، أم معناها أعمّ من ذلك ؟ ولم يذكر أهل اللغة - الذين كتبهم متداولة - لها معنى ، والشارع استعمل ما اشتقّ منها مرّة في تعظيم المشركين لأصنامهم وتقريب القربان لأجلها ، ومرّة في اتّباع الهوى والشيطان ، وعهِدَ سبحانه إلى العباد بوساطة السفراء والأنبياء أن لا يعبدوا الشيطان ، وأمر بقصر العبادة له تعالى ، ونهى عن اتّخاذ معبود سواه ، كقوله تعالى : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » ، « 2 » وقوله تعالى : « أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً » « 3 » ، وقوله تعالى : « أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » « 4 » ، وقوله تعالى : « وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ » « 5 » ، وقوله تعالى حكايةً عن عَبَدة الأوثان : « لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ » « 6 » ، وقوله تعالى : « أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ » « 7 » إلى غير ذلك . ومقتضى كلام هؤلاء الأعلام أنّ أقصى غاية الخضوع هو المناط في تحقّقها ، وهو المختصّ باللَّه تعالى ، وأنّ التوبيخات التي وردت على الإطاعة والاتّباع للشيطان والهوى إنّما هي إذا كان اتّباعاً على ذلك الحدّ من الخضوع ، ولو كان دون الأقصى
--> ( 1 ) . الكشّاف ، ج 1 ، ص 62 . ( 2 ) . الفاتحة ( 1 ) : 5 . ( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 64 . ( 4 ) . يس ( 36 ) : 60 - 61 . ( 5 ) . يونس ( 10 ) : 18 . ( 6 ) . الزخرف ( 43 ) : 20 . ( 7 ) . الصافّات ( 37 ) : 95 .