رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
487
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
أيا نفس قد آن الخروج فهيّئي * لتروي بهم حدّ القواضب والقنى ولا تحسبنّ اللَّه مخلف وعده * فها هو ذا اليوم يُنجزُ أو غدا ولا تقنطي من رحمة اللَّه أنّه * لأكرمَ مسؤول وأفضل مُرتجى قوله : ( إنّي رجلٌ صاحبُ كلامٍ ) . [ ح 4 / 437 ] المراد بالكلام الدلائل الجدليّة التي بناؤها على الوضع إمّا من العامّة ، أو طائفة خاصّة ، أو من خصوص المخاطب ؛ ولمّا كانت مجادلات رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بالتي هي أحسن - التي مرجعها إلى وضع ما هو واقع في نفس الأمر من دون استعمال مشاغبة ومغالطة وإن اخذ على أنّه مشهور ، أو مسلّم طائفة ، أو مسلّم المخاطب ؛ لأنّ الغرض كان إفادة إذعان القوم للدين الحقّ - لا على وجه الخديعة كما هو شأن المغالطين والمشاغبين ، فمن كان له استعداد فَهم البرهان الذي هو الحكمة ، كان يدعوه بها ليحصل له الإذعان اليقيني ، ومن لم يكن له ذلك الاستعداد ، كان يدعوه بأمر اللَّه تعالى بالجدال بالتي هي أحسن ، والموعظة الحسنة ليرقّ قلبه ، ويميل إلى الحقّ ، ويحصل له شبه اليقين إلى أن يتدرّج ويرتقي إلى فهم الحكمة والبرهان ، فلذلك قال عليه السلام : « من كلام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، أو من عندك ؟ » ولمّا عمّم الرجل ، قال عليه السلام : « إنّ استعمال الرسول صلى الله عليه وآله من جهة أنّه كان مأموراً به من قبل اللَّه تعالى ، فمَنْ أذن لك بذلك ؟ » وليس برهاناً عقليّاً حتّى يستقلّ العقل به ، ولا يحتاج إلى الإذن ؛ فإنْ زعمت أنّ ما أتى به جبرئيل عليه السلام فقد أشركك فيه ، فأنت إذن شريك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وإن ادّعيت أنّ اللَّه تعالى أوحى إليك بالإذن على وجه الخصوص ، كذّبك نفسك ، وإن لم تدّع لا هذا ولا ذاك ، فمن أيّ وجهٍ تُوجب علينا أن نُصغي إلى كلامك ؟ ونحن على يقين فيما عندنا ، فلا نحتاج إلى البحث والفحص إلّا أن تدّعي أنّه يجب إطاعة ما تأمرنا به ، كما كان يجب إطاعة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من جهة ظهور آياته ، فهل تقول بذلك ؟ فلمّا اعترف بعدم وجوب الطاعة ، انسدّ عليه باب المناظرة ؛ فلذا قال عليه السلام : « فهذا قد خصم نفسه قبل أن يتكلّم » ، ثمّ أمر بإحضار المتكلّمين تبرّعاً لئلّا يخطر ببال الرجل أنّ غرض الإمام عليه السلام في هذا الإلزام الفرار من الكلام .