رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

466

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

الأقدس ، وبانكشافه انكشفت شؤونات قدرته الكاملة التي هي عين الذات ، فتعيّنت في نفس الأمر مقدورات لا تتناهى . وقد سبق في باب صفات الذات وما بعده أنّ هذا التعيّن ليس وجوداً لا عينيّاً خارجيّاً ولا ظلّيّاً ارتساميّاً ، بل هو ثبوت مجهول الكنه ، أشبه شيء به ثبوت الانتزاعيّات للمنتزع منها ، وبيّنّا أنّ هذا الثبوت غير الثبوت الذي يقوله طائفة من المتكلِّمين ، وأنّ علمه تعالى بالأشياء انكشاف تلك المتعيّنات له تعالى ، وأنّه انكشف له تعالى كلّ من الذوات الممكنة بجميع شؤوناته وصفاته اللازمة والمفارقة التي له باعتباره في نفسه ، وباعتبار فرض مقارنته مع كلّ واحد واحد ممّا عداه ، بل انكشفت له أيضاً الممتنعات التي لا هويّة لها إلّابنحو من المقايسة مع الممكنات ، وأنّ بعض هذه المعلومات غير مستحقّ للوجود بوجه كالممتنعات ؛ لمضادّته ومنافاته للإلهيّة ، فهو في محبس العدم بالحبس المؤبّد ، والباقون مستحقّون للوجود كلٌّ بوجه ، والجواد المطلق يطلقه عن العدم إلى الوجود على الوجه المستحقّ له به بتّةَ ؛ إذ المقتضي - وهو الجود المطلق - حاصل ، والمانع - وهو عدم الاستحقاق - منتفٍ ، وكلّ مستحقّ للوجود مظهر غاية اسم من الأسماء الحسنى ، فله موقع في النظام الأعلى يوجب زينه وجماله ، كأجزاء الدار فيها من بيت النوم وبيت الضيف وبيت الخلاء والاصطبل والكنيف وغيرها ، وكأجزاء الإنسان فيه من الدماغ والقلب والمعدة والأمعاء والقوى والأعضاء ومخرج البول والبَراز « 1 » وغيرها ممّا لو لم يكن واحد منها لاختلّ نظام البدن ، أو خرج عن الإتقان والحسن ، وهكذا أجزاء النظام الأعلى من المؤمن والكافر ، والصالح والفاجر ، والشريف والوضيع ، والعاصي والمطيع . وقد قلت في قصيدتي اللاميّة : حال الخلائق طرّاً كيفما ظهرت * بعلم خالقنا العلّام لم يزل وكلّ ما كان منها عن مشيّته * وكان ما لم يشأ ليساً من الأزل

--> ( 1 ) . كناية عن الغائط . وفي اللسان : « البَراز - بالفتح - : اسم للفضاء الواسع ، فكَنَوْا به عن قضاء الغائط كما كَنَوْا عنه‌بالخلاء ؛ لأنّهم كانوا يتبرّزون في الأمكنة الخالية من الناس » . لسان العرب ، ج 5 ، ص 309 ( برز ) .