رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
461
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
فقال أبو جعفر عليه السلام : « يا حُمرانُ ، إنّ اللَّه تعالى قد كانَ قَدَّرَ ذلك عليهم وقَضاه وأمضاه وحَتَمَهُ على سبيل الاختيار » الحديث . « 1 » أقول : بيان حتم اللَّه تعالى فعلًا على سبيل اختيار العبد إيّاه ، المستلزمِ لأن لم يكن ألزم عليه ما لا يريده ، بل يريد خلافه ، أنّه قد كان في سابق علم اللَّه تعالى أنّ من الممكن ما هو باعتبار خصوصيّته الممتاز بها عن سائر الممكنات ، بحيث إن رأى امرأة جميلة ذات بعل في مكان لم يكن هناك مانع بوجه ، ولو كان وجود من يستحيي منه أو احتمال اطّلاع من يتضرّر به ، انبعث من ذاته باعتبار ما لها من الخصوصيّة المذكورة شوق وإرادة بالغة حدَّ الإجماع لغشيانها ، ولا شكّ أنّ لتحقّق كلٍّ من هذه الشروط سبباً ؛ لبطلان البخت والاتّفاق ، وللسبب سبب ، ولا يرتقي إلى ما لا يتناهى ، وليس للممكنات مبدأ سوى اللَّه تعالى ، فالكلّ تحت تدبيره وتقديره ؛ فوقوع الغشيان من ذلك الممكن بإرادته وشوقه كاشف عن تنزّل الأسباب والشرائط - الاختياري منها وغير الاختياري - بإذن ربّها المدبِّر الحكيم القادر القاهر ، وانتهائها إلى غشيان الفاعل بشوق وإرادة كانت كامنةً في نفسه ، فهاجت من ذاته حين ما استكملت شرائط الهيجان . وكذا كاشف عن أنّ في إيجاد الممكن المفروض وتيسير شرائط ما يستدعيه بلسان خصوصيّته حكمة لا يعلمها غير الموجد الحكيم الذي أوجده بعلم وإرادة ؛ لامتناع الجهل والاضطرار . فليس له أن يقول : لِمَ كنت في علم اللَّه ممكناً خاصّاً بالخصوصيّة المذكورة وما كنت ممكناً آخر ؟ ولمَ كنت مقدوراً من مقدوراته ؟ ولِمَ خلقني اللَّه ؟ ولعلّ اللَّه لم يعلم ما ينتهي إليه أمري ، أو كان مضطرّاً في خلقي ؟ تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ، بل للَّهالحجّة البالغة ، وحجّتهم داحضة عند ربّهم . هذا بيان حتم اللَّه تعالى للفعل على سبيل الاختيار من العبد . « فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . « 2 » هذا ، وقد يطلق إرادة الحتم وقضاء الحتم على جبر اللَّه تعالى للعبد وإكراهه إيّاه
--> ( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 261 ، ح 4 . ( 2 ) . يس ( 36 ) : 83 .