رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
458
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
قلت : من نتائج الكلام في البداء والبحث عنه اليقين بأنّ للَّهتعالى أن يحوّل إن شاء حالَ مَن انتهك محارم الشرع وسلك سبيلَ الأشقياء ، حتّى يُقال : ما أشبهه بهم بل هو منهم ، ويوفّقه للرجوع والإنابة ، وأن يكل إن شاء من عبده مدّة سماويّة بصنوف العبادات ، حتّى يقال : ما أشبهه بالسعداء بل هو منهم إلى نفسه ، ومنعه اللطف والعصمة حتّى يموت وهو عليه ساخط ، فلا ييأس العاصون من رَوْح اللَّه بسبب الوقوع في الزلّات ، ولا يأمن المتعبِّدون من مكر اللَّه اغتراراً بكثرة الحسنات ، بل يكون كلّ أحد بين الخوف والرجاء . وقد ورد أنّه « ما من مؤمن إلّاوفي قلبه نوران : نور خيفة ، ونور رجاء ، لو وُزِنَ هذا لم يَزِدْ على هذا » . « 1 » ومن النتائج أنّه إذا أخبرني من طريق الوحي أنّ فلاناً قرب أجله ولا يعمّر إلّاسنةً - مثلًا - واتّفق منه أن يتصدّق بصدقة على مسكين أو يصلَ رحماً ، فجاوز عمره المدّةَ ، لم يكذَّب المخبر ولم ينكر عليه ، بل يستعلم وجه البداء مؤمناً به ، ويزداد في الرغبة إلى الخيرات والتضرّع والدُّعاء ؛ ففي البداء وإيقاننا به والإقرار به للَّهتعالى كمالُ الحكمة والمصلحة ، وأخذ الميثاق على النبيّين بإقرار البداء للَّهتعالى ؛ لأنّهم الذين يخبرون أوّلًا بكون ما ليس بكائن من غير الإعلام بحقيقة الأمر وبوجه المصلحة إلّا بعد وقوع البداء ، وإخبار غيرهم إنّما هو بوساطتهم ، وإخبار موارد وقوع البداء كاشفة عمّا قلناه . فإذن النبيّون أوّل من في عرضة الإعراض والتعجّب ، فلذلك أخذ عليهم الميثاق بأن يقرّوا له تعالى بالبداء ، وجمعٌ من أهل العمْى والجهل حُرموا إدراكَ هذه المعاني ، فتاهوا في بوادِ الضلال حيارى عمهين سكارى ، حادوا عن مدرجة الأكياس ، وارتقوا في مرعى الأرجاس ، حسدوا امناء الوحي وخزّان العلم ؛ لِمَ يحسدون الناس على ما آتاهم اللَّه من فضله ، يا ويلهم ما أشقاهم ، وأطولَ عناهم ، حملهم العنود على إنكار البداء على سبيل الجمود ، وضاهوا في ذلك كفرة اليهود .
--> ( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 67 و 71 ، باب الخوف والرجاء ، ح 1 و 13 ؛ وسائل الشيعة ، ج 15 ، ص 217 - 218 ، ح 20311 و 20314 .