رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
41
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
وهذا هو الحقّ عندي ، وستقف في باب المعبود على ما يشهد به . وقال شيخنا البهائي قدس سره في حواشيه : هذا الوجه مبنيّ على ما هو الظاهر من تعريف العَلَم بما وضع للذات مع جميع المشخّصات ، واعترض عليه بعض الأعلام بأنّه إنّما يدلّ على عدم تمكّن البشر من وضع العَلَم له تعالى ؛ لعدم اطّلاعهم على جميع مشخّصاته ، فيجوز أن يضع هو لذاته علماً . نعم ، نحن معاشر الممكنات لا يمكننا ذلك ، وليس النزاع فيه . أقول في الجواب : إنّ غرض المؤلّف هو أنّ وضع العَلَم لخصوصيّة الذات لا يليق بالحكمة ؛ لجريانه مجرى العبث ؛ لأنّ الدلالة على تلك الذات بالعَلَم بحيث يفهم منه المعنى العَلَمي غير ممكنة ؛ لكونها غير معقولة للبشر ، والغرض من وضع العلم التفهيم والتفاهم والدلالة على المسمّى ليخطر بشخصه ببال السامع عند إطلاق اللفظ الموضوع له ، وعلمه تعالى بخصوصيّة ذاته معلوم ، ولكن نحن معاشر الممكنات من المادّيات والمجرّدات لا يخطر ببالنا عند سماع العَلَم نفس الموضوع له قطعاً ؛ لتقدّسه عن التلوّث بالحضور بعينه لأذهاننا ، فلا يمكن دلالتنا على المعنى العَلَمي ، بل لا يمكننا تعقّل الذات المقدّسة إلّابصفات وسلوب وإضافات يمكننا فهم معانيها ، فلا يكون اللَّه عَلَماً ، وفي قوله : « فلا يمكن أن يدلّ عليه بلفظٍ » إيماءٌ إلى ما قلنا . هذا ، والحقّ أنّه يكفي في وضع العَلَم لذاتٍ تعقّلها بوجه يمتاز به عمّن عداها ، ولا يشترط علم الواضع بجميع المشخّصات وملاحظتها عند الوضع . « 1 » انتهى . أقول في مقام الانتصار له : لو تصوّرنا مفهوماً بوجه أنّه لا يُشترك في ماهيّته بوجه - كما هو الواقع في الواجب تعالى - فهذا المتصوّر ممتاز عن جميع المتصوّرات ، وبعد أن يُثبت البرهانُ وجودَه يحصل العلم بشخصٍ غير منتشر ، أمّا الشخصيّة فمن جهة الوجود ، وأمّا عدم الانتشار فمن جهة المفهوم ، وذلك واضح ؛ فإذا وضعنا للشخص لفظاً ، كان عَلَماً له لا محالة ، مع أنّا لم نعلم مشخّصاتٍ . ولو قيل : لا يخطر بالبال عند سماع ذلك الاسم بَحْتُ الذات الشخصيّة بخلافه عند
--> ( 1 ) . حواشي الشيخ البهائي على تفسير البيضاوي مخطوط ، وسيطبع مع سائر آثاره التفسيريّة في مجلّد مستقلّ إن شاء اللَّه تعالى .