رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

444

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

الأشياء ، والقدمةُ والأزليّة والتكملة مفعولاتها الثواني . و « جنّبتها » على صيغة التفعيل ، والتجنّيب جعل الشيء في جانب . والمعنى : منعت كلمة « منذ » - أي إطلاقها عليها - عن أن يكون الأشياء قديمةً ؛ إذ منذ تدلّ على الابتداء ، والقدمُ ينافي الابتداء . « حمت » أي دفعت كلمة « قد » التقريبيّة الأشياءَ عن الأزليّة بمعنى أنّ إطلاق « قد » على الأشياء دفعتها عن مرتبة الأزل ؛ إذ التقريب إنّما هو بالنسبة إلى الزمان . و « جنّبتها » أي جعلت الأشياء في جانب عن الكمال كلمةُ « لولا » التحضيضيّة ؛ إذ التحريض على الشيء إنّما يكون لفاقده ؛ أو كلمة « لولا » الامتناعيّة حيث تطلق على الأشياء بأنّه لولا ذلك المانع لوصل هذا الشيء إلى كماله . وبالجملة لما صحّ هذا الإطلاق هذه الأدوات على الأشياء الممكنة إزالتها عن المراتب العالية من القدمة والأزليّة والكمال والتماميّة « افترقت فدلّت على معرفتها ، وتباينت فأعربت عن مباينها » . أعربت ، أي أفصحت . والمباين على صيغة الفاعل ، وهو جاعل البينونة وموجد المباينة ، كما سبق في المفاوت . وقد عرفت وجه تلك الدلالة ، وهذا الإفصاح بها تجلّى صانعها للعقول ، أي بوساطة خلق الأشياء تجلّى صانعها للعقول حيث ترى العقول تلك الأشياءَ مظاهرَ صنع اللَّه ، ومزايا نوره ، وجلايا ظهور أسمائه وصفاته ، فتستدلّ بها على اللَّه وصفاته وأسمائه ؛ إذ بالآثار والأعلام إنّما يستدلّ عليه تعالى وعلى أسمائه الحسنى ، وهؤلاء القوم أشير إليهم في قوله تعالى : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » « 1 » . وأمّا العارفون بنور اللَّه عزّ شأنه ، الفائزون بالمحبوبيّة التامّة ، فيقولون - كما ورد في دعاء عرفة عن سيّد الشهداء عليه ألف سلام وتحيّة وثناء - : « كيف يستدلّ عليه بما هو في وجوده مفتقر إليك ألغيرك « 2 » من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهرَ لك ؟ » . « 3 » فهؤلاء لم يروا في الوجود إلّااللَّه ، وما رأوا شيئاً إلّاورأوا اللَّه قبله ؛ إذ الأعيان إنّما هي في خفائها واستتارها ، وإنّما المظهِر لها والدليل عليها هو اللَّه نور السماوات والأرض ،

--> ( 1 ) . فصّلت ( 41 ) : 53 . ( 2 ) . في المصدر : « أيكون لغيرك » . ( 3 ) . الإقبال ، ص 349 ؛ بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 142 .