رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

360

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

قوله : « ولم يتناه » أي هو تعالى في المعرفة ، أو عرفانه ، أو العارف في عرفانه إلى نهاية إلّا كانت تلك النهاية غيره تعالى ومباينة له غير محمولة . قوله عليه السلام : « لا يزل » في بعض النسخ بالذال ، أي ذلّ الجهل والضلال ، من فهم هذا الحكم ، وعرف سلب جميع ما يغايره عنه ، وعلم أنّ كلّ ما يصل إلى أفهام الخلق فهو غيره تعالى . قوله عليه السلام : « ومن زعم أنّه يعرف اللَّه بحجاب » أي بالأسماء التي هي حُجب بين اللَّه وبين خلقه ووسائل بها يتوسّلون إليه ، بأن زعم أنّه عين تلك الأسماء ؛ والأنبياء « 1 » والأئمّة عليهم السلام بأن زعم أنّ الربّ تعالى اتّحد بهم ؛ أو بالصفات الزائدة ، فإنّها حجب عن الوصول إلى حقيقة الذات الأحديّة ، أو بصورة ، أو بأنّه ذو صورة كما قالت المشبّهة ، أو بصورة عقليّة زعم أنّها كُنه ذاته وصفاته تعالى ، أو بمثال أي خيالي ، أو بأن جعل له مماثلًا ومشابهاً عن خلقه ، فهو مشرك ؛ لما عرفت مراراً من لزوم تركّبه تعالى وكونه ذا حقائقَ مختلفةٍ وذا أجزاء ؛ تعالى اللَّه عن ذلك . ويُحتمل أن يكون إشارةً إلى أنّه لا يمكن الوصول إلى حقيقته تعالى بوجه من الوجوه ، لا بحجاب رسول يبيّن ذلك ، ولا بصورة عقليّة ولا خياليّة ؛ إذ لابدّ بين المعرَّف والمعرِّف من المماثلة وجهة اتّحاد ، وإلّا فليس ذلك الشيء معرّفاً أصلًا ، واللَّه تعالى مجرّد الذات عن كلّ ما سواه ، فحجابه ومثاله وصورته غيره من كلّ وجه ؛ إذ لا مشاركة بينه وبين غيره في جنس أو فصل أو مادّة أو موضوع أو عارض ، وإنّما هو واحد موحّد فرد عمّا سواه ، وإنّما يُعرف اللَّه باللَّه إذا نفي عنه جميع ما سواه ، وكلّ ما وصل إليه عقله كما مرّ أنّه التوحيد الخالص . وقال بعض المحقّقين : من زعم أنّه يعرف اللَّه بحجاب أو بصورة أو بمثال ، أي بحقيقة من الحقائق الإمكانيّة كالجسم والنور ، أو بصفة من صفاتها التي هي عليها كما اسند إلى القائلين بالصورة ، أو بصفة من صفاتها عند حصولها في العقل - كما في قول الفلاسفة في رؤية العقول المفارقة - فهو مشرك ؛ لأنّ الصورة والحجاب والمثال كلّها مغايرة غيرُ محمول ، فمن عبد الموصوف بها عبد غيره ، فكيف يكون موحّداً له عارفاً به ، إنّما عرف اللَّه من عرفه بذاته وحقيقته المسلوب عنه جميع ما يغايره ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنّما يكون يعرف غيره .

--> ( 1 ) . في المصدر : « أو الأنبياء » .