رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

346

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

الحاصل لهم من المعاشرات والمعادات واكتساب العلوم والأخلاق الفطريّة المزاجيّة والمكتسبة ، وحالة شوقيّة تنبعث من القلب ، ويهيج بعد ذلك الاعتقادُ وتحمل على جلبه ، و « من الفعل » بيان ل « ما » . والمراد به معناه المصدري لا المفعول ؛ أي بما يستقرّ من رأيهم من فعل شيء اعتقدوا خيريّته ومرجوحيّة تركه في نظرهم ، وهذا الفعل هو الذي عبّر عليه السلام عنه حين نسبه إلى اللَّه تعالى بالإحداث ، فكأنّه عليه السلام يقول : الإرادة من الخلق مجموع التروية والإحداث ، ومن اللَّه تعالى مجرّد الإحداث . فإن قلت : كيف قال عليه السلام : « لا غير » مع أنّ للعلم الأزلي بأنّ ما يوجد خير - أي غير مضادّ للحكمة الكاملة كما سبق بيانه - دخلًا عظيماً ، بل هو الأحقّ باسم الإرادة ، وقد قال اللَّه تعالى : « يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ » « 1 » و « يَحْكُمُ ما يُرِيدُ » « 2 » ؟ قلت : المراد المتجدّد من الإرادة ، وبيان أنّ المتجدّد من المخلوق كلا الأمرين ، ومن اللَّه هو الأخير لا غير ، وما جوّزه السيّد قدس سره من عطف الجملة على الجملة مجرّد إبداء احتمال ، والسياق يأباه خصوصاً قوله عليه السلام : « لا غير » . في البحار : اعلم أنّ إرادة اللَّه تعالى - كما ذهب إليه متكلِّموا الإماميّة - هي العلم بالخير والنفع وما هو الأصلح ، ولا يثبتون فيه تعالى وراء العلم شيئاً . ولعلّ المراد بهذا الخبر وأمثاله من الأخبار الدالّة على حدوث الإرادة هو أن يكون في الإنسان قبل حدوث الفعل اعتقاد النفع فيه ، ثمّ الرويّة ، ثمّ الهمّة ، ثمّ انبعاث الشوق منه ، ثمّ تأكّده إلى أن يصير إجماعاً باعثاً على الفعل ؛ وذلك كلّه إرادة فينا متوسّطة بين ذاتنا وبين الفعل ، وليس فيه تعالى سوى العلم القديم بالمصلحة من الأمور المقارنة للفعل سوى الإحداث والإيجاد ، فالإحداث في الوقت الذي يقتضي المصلحة وقوعَ الفعل فيه قائم مقام ما يحدث من الأمور في غيره تعالى ، فالمعنى أنّ ذاته تعالى بصفاته الذاتيّة الكماليّة كافية في حدوث الحادث ، من غير حاجة إلى حدوث أمر في ذاته عند حدوث الفعل . « 3 »

--> ( 1 ) . إبراهيم ( 14 ) : 27 . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 1 . ( 3 ) . بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 137 .