رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

340

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

فقال أبو عبداللَّه عليه السلام : « هو نورٌ لا ظلمة فيه ، وحياةٌ لا موت فيه ، وعلمٌ لا جهل فيه ، وحقٌّ لا باطل فيه » . فخرجت من عنده وأنا أعلم الناس بالتوحيد . « 1 » وفي هذا الحديث إشارة إلى ما قلناه مراراً من أنّ الاشتراك باعتبار الغايات معنويّ ، وباعتبار المبادئ لفظي ، وأنّ الذات الأقدس بوحدته قائم مقام الصفات الكماليّة ، فهي بوحدته الحقيقيّة مصحّحة لأن يوصف بالأسماء الحسنى الجماليّة والجلاليّة ، وإذا كان من جملة كمالاته تعالى القدرة الشاملة ، فبالعلم بالذات من حيث إنّه قادر تميّزت الممكنات التي هي ظلال شؤونات القدرة الكاملة ، وهذه المرتبة مرتبة العلم الذي يسمّونه بالعلم التفصيلي ، وتُحاذي الذي يسمّونه بالعلم الإجمالي الذي هو الكلّ في وحدة صرفة أعني مرتبةَ الذات . وقد عُبّر في أخبار أصحاب العصمة - سلام اللَّه عليهم - عن تلك الممكنات المتميّزة في مرتبة العلم التفصيلي بالذرّ . روى العيّاشي في تفسيره عن أبي عبداللَّه عليه السلام أنّه قال : « هو أعلم بما هو مكوّنه قبل أن يكوّنه وهم ذرّ » ولا يبعد أن يكون وقوع التكليف في نشأة الذرّ وإطاعة بعض وعصيان بعض مَجازاتٍ عن العلم التفصيلي باختيار الممكنات التي هي ظلال شؤونات القدرة الكاملة حالةَ تمييزهم بسبب علم اللَّه بذاته الأقدس من حيث إنّه قادر . وبالجملة ، مناط العالميّة بذوات الممكنات وصفاتها المختلفة التابعة لاختلاف الذوات من حيث إنّ كلّاً منهما مقدور خاصّ للذات الأقدس تعالى شأنه ، وقد بيّنّا مراراً أنّ المشيّة الذاتيّة هو العلم الخاصّ ، أي العلم بما لا ينافي الحكمة الكاملة والجبروت والعزّة ، وإحداثُ ما لا ينافي - أي فيضان الكون على الوجه الذي يقتضيه الحكمة من الجواد المطلق المعبّر عنه في الأخبار الكثيرة بالإرادة - لا يتوقّف على غير ذلك العلم ، فلو حُمل الإرادة في قوله عليه السلام : « لم يزل اللَّه عزّوجلّ عالماً قادراً ثمّ أراد »

--> ( 1 ) . التوحيد ، ص 146 ، ح 14 .