رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

293

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

فإن قلت : وجود الشيء كما يمتنع بشرط ضدّه ونقيضه ، كذلك يمتنع بشرط ملزوم ضدّه وملزوم نقيضه ، والأوّل امتناع بالذات ، والثاني امتناع بالغير ، وكما أنّ إرادة الأوّل منه تعالى محال [ ولانقص فيه ] كذلك إرادة الثاني . وظاهر أنّ إرادة إيجاد الممكن بشرط إرادة الآخر له من قبيل الثاني ، فينبغي أن لا يكون فيه نقص . قلت : فرق بين الأمرين ؛ فإنّ وجود الممكن إذا قيّد واشترط بملزوم نقيضه ، كان ممتنعاً ولو بالغير ولم يتعلّق به إرادة ضرورةً ، وأمّا إذا لم يقيّد الوجود به بل اطلق ، فغير ممتنع ، فيمكن تعلّق الإرادة به ولو في زمان وجود الملزوم بأن يدفع الملزوم ، وإن لم يندفع هو من قبل نفسه أو من دافع ، بخلاف إرادة الآخر له ؛ فإنّه لو لم يندفع من قبل نفسه ولم يدفعه دافع آخر ، لم يتعلّق به الإرادة ضرورةً ، فهو مدفوع ، وإلّا فالآخر مدفوع . فصار حاصل الفرق حينئذٍ أنّ الصانع تعالى قادر على إيجاد أحد الضدّين في زمان الضدّ الآخر بدون حاجة إلى واسطة غير مستندة إليه تعالى ، وهو - أي الحاجة إلى الواسطة المستندة إلى الفاعل - لا ينافي الاستقلال والقدرة ، كما لا ينافي الاحتياج إلى الواسطة المستندة إلى الذات الوجوبَ الذاتي ، بخلاف ما نحن فيه ؛ فإنّه احتياج إلى واسطة غير مستندة إلى الذات . لا يقال : لعلّ انتفاء إرادة الآخر واجب بنفسه ، ولا نسلّم منافاة توسّط الواجب بالذات بين الفاعل وفعله ؛ لاستقلاله واستلزامه النقص . لأنّا نقول : الأوّل بيِّن البطلان ، فإنّ تحقّق إرادة الآخر وانتفاءها ممكنٌ في نفسه ، لكنّه ينتفي فيما نحن فيه من قبل ذي الإرادة ؛ لو انتفى ليكون « 1 » واسطة ممكنة غير صادرة عن الفاعل ولا مستندة إليه . وأمّا الثاني ، فربّما تدّعى البداهة في استلزامه النقصَ ، وهو غير بعيد . وبهذا التقرير يندفع كثير من الشكوك والشُّبه . الخامس : تقرير آخر لبرهان التمانع ذكره المحقّق الدواني ، وهو أنّه لا يخلو أن يكون قدرة كلّ واحدٍ منهما وإرادتُه كافيةً في وجود العالم ، أو لا شيء منهما كافٍ ، أو أحدهما كافٍ فقط .

--> ( 1 ) . في المصدر : « فيكون » .