رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

252

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

الحيوان وبرد الهواء على النبات - لم يكن صلاح في أن يكون الليل ظلمةً داجية لا ضياء فيها ، فلا يمكن فيه شيء من العمل ؛ لأنّه ربّما احتاج الناس على العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في بعض الأعمال في النهار ، أو لشدّة الحرّ وإفراطه ، فيعمل في ضوء القمر أعمالًا شتّى كحرث الأرض وضرب اللبن وقطع الخشب وما أشبه ذلك ، فجعل ضوء القمر معونة للناس على معائشهم إذا احتاجوا إلى ذلك ، وانساً للسائرين ، وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض ، ونقص من ذلك نور من نور الشمس وضيائها لكيلا ينبسط الناس في العمل انبساطهم بالنهار ، ويمتنعوا من الهدوء والقرار فيهلكهم ذلك ، وفي تصرّف القمر - خاصّة في مهلّه ومحاقه ، وزيادته ونقصانه وكسوفه - من التنبيه على قدرة اللَّه خالقه المصرّف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون » . « 1 » قال عليه السلام بعد كلام في أمر النجوم الراتبة والمنتقلة : « فكِّر يا مفضّل في مقادير النهار والليل كيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق ، فصار منتهى كلّ واحد منهما إذا امتدّ إلى خمسة عشرة ساعة لا يجاوز ذلك ؛ أفرأيت لو كان النهار مقداره مائةَ ساعةٍ أو مأئتي ساعة ، ألم يكن في ذلك بوار كلّ ما في الأرض من حيوان ونبات ؟ أمّا الحيوان ، فكان لا يهدأ ولا يقرّ طول هذه المدّة ، ولا البهائم كانت تمسك عن الرعي لو دام لها ضوء النهار ، ولا الإنسان كان يفتر عن العمل والحركة ، وكان ذلك سيهلكها « 2 » أجمع ويؤدّيها إلى التلف . وأمّا النبات ، فكان يطول عليه حرّ النهار ووهج الشمس حتّى يجفّ ويحترق . وكذلك الليل لو امتدّ مقدارَ هذه المدّة ، كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة والتصرّف في طلب المعاش حتّى يموت جوعاً ، وتخمده « 3 » الحرارة الطبيعيّة من النبات حتّى يعفن ويفسد ، كالذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع عليه الشمس .

--> ( 1 ) . توحيد المفضّل ، ص 128 - 132 ؛ بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 112 - 114 . ( 2 ) . في المصدر : « ينهكها » . ( 3 ) . في المصدر : « تخمد » .