رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
192
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
فبعضه منتشر منه الفرخ ، وبعضه ليتغذّى به إلى أن تنقاب عنه البيضة ، وما في ذلك من التدبير ؛ فإنّه لمّا كان نشوء الفرخ في تلك القشرة المستخصفة « 1 » التي لا مساغ لشيء ما إليها ، يجعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفى به إلى وقت خروجه منها ، كمن يحبس في حبس حصين إلى أن يوصل إلى من فيه ، فيجعل معه من القوت ما يكتفى إلى وقت خروجه منه . فكِّر في حوصَلَة الطائر وما قدّر له ، فإنّ مسلك الطعم إلى القانصة « 2 » ضيّق لا ينفذ فيه الطعام إلّاقليلًا قليلًا ، فلو كان الطائر لا يلقط حبّة ثانية حتّى تصل الأولى إلى القانصة ، لطال عليه ، ومتى كان يستوفي طعمه فإنّما يختلسه اختلاساً لشدّة الحذر ، فجُعلت الحوصلة كالمِخلاة « 3 » المعلّقة أمامَه ليوعي فيها ما أدرك من الطعم بسرعة ، ثمّ ينفذه إلى القانصة على مهل ، وفي الحوصلة أيضاً خلّة أخرى ؛ فإنّ من الطائر ما يحتاج إلى أن يزقّ فراخَه ، فيكون ردّه الطعمَ من قربٍ أسهلَ عليه » . قال : فقلت : إنّ قوماً من المعطّلة يزعمون أنّ اختلاف الألوان والأشكال في الطير يكون من قِبَل اختلاط امتزاج الأخلاط واختلاف مقاديرها بالمزاج « 4 » والإهمال . فقال : « يا مفضّل ، هذا الريش الذي تراه في الطواويس والدرّاج والتدارج على استوائه مقابلة « 5 » كنحو ما يخطّ بالأقلام ، كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكلٍ واحد لا يختلف ، ولو كان بالإهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفاً ؛ تأمّل ريش الطير كيف هو ؟ فإنّك تراه منسوجاً كنسج الثوب من سلوك دِقاقٍ قد الّف بعضه إلى بعض ، كتأليف الخطّ إلى الخيط ، والشعرة إلى الشعرة ، ثمّ ترى ذلك النسيج إذا مددته ينفتح قليلًا ، ولا ينشقّ لتدخله الريح ، فتنقل الطائر إذا طار ، وترى في وسط الريشة عموداً غليظاً متيناً قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته ، وهو القصبة التي في وسط
--> ( 1 ) . في المصدر : « المستحفظة » . ( 2 ) . القانصة للطير كالمعدة للإنسان . لسان العرب ، ج 7 ، ص 83 ( قنص ) . ( 3 ) . المخلاة : ما يجعل فيه العلف ويعلق في عنق الدابّة . راجع : لسان العرب ، ج 14 ، ص 237 ( خلا ) . ( 4 ) . في المصدر : « المرج » بدل « بالمزاج » . ( 5 ) . في المصدر : « على استواء ومقابلة » .