رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

180

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

وما يرد في الأرض للبذر ، أفلا ترى ما في الحرّ والبرد من عظيم العناء والمنفعة ، وكلاهما مع عنائه والمنفعة فيه يؤلم الأبدان ويمضّها ؛ وفي ذلك عبرة لمن فكّر ، ودلالة على أنّه من تدبير الحكيم في مصلحة العالم وما فيه » . « 1 » فصل : فيما أنزل اللَّه من السماء من ماءٍ قال عليه السلام : « فكِّر يا مفضّل في الصحو والمطر كيف يعتقبان « 2 » على هذا العالم لما فيه صلاحه ، ولو دام واحد منهما عليه كان من ذلك فساده ؛ ألا ترى أنّ الأمطار إذا توالت عفنت البقول والخضر ، واسترخت أبدان الحيوان ، وخثر « 3 » الهواء ، فأحدث ضروباً من الأمراض ، وفسدت الطرق والمسالك ، وأنّ الصحو إذا دام جفّت الأرض ، واحترق النبات ، وغيض ماء العيون والأودية ، فأضرّ ذلك بالناس ، وغلب اليبس على الهواء ، فأحدث ضروباً أخرى من الأمراض ، فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقبَ اعتدل الهواء ، ورفع كلّ واحد عاديةَ الآخَر ، فصلحت الأشياء واستقامت . فإن قال قائل : ولِمَ لا يكون في شيءٍ من ذلك مضرّة البتّة ؟ قيل : ليمض ذلك للإنسان ويؤلمه بعض الألم ، فيرعوي عن المعاصي ، فكما أنّ الإنسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الأدوية المرّة البشعة ليقوم طباعه ، ويصلح ما فسد منه ، كذلك إذا طغى وأشر احتاج إلى ما يعضه ويؤلمه ليرعوي ، ويقصر عن مساويه ، ويثبته على ما فيه حظّه ورشده . ولو أنّ مَلِكاً من الملوك قسم من أهل مملكته قناطيرَ من ذهب وفضّة ، ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت ؟ فأين هذا من مطرة رواء يعمّ به البلاد ، ويزيد في الغلّات أكثر من قناطير الذهب والفضّة في أقاليم الأرض كلّها ؟ أفلاترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرَها ، وأعظم النعمةَ على الناس فيها وهم عنها ساهون ، وربما عاقت

--> ( 1 ) . توحيد المفضّل ، ص 137 - 140 ؛ بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 118 - 119 . ( 2 ) . في المصدر : « يتعاقبان » . ( 3 ) . خثر ، أي اشتدّ وثخن . وفي المصدر : حصر . راجع : مجمع البحرين ، ج 3 ، ص 282 ( خثر ) .