رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

176

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

ثمّ الماء لولا كثرته وتدفّقه في العيون والأودية والأنهار لضاق عمّا يحتاج الناس إليه لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم ، وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلّاتهم ، وشرب ما يرده من الوحوش والطيور والسباع ، ويتقلّب فيه الحيتان ودوابّ الماء ، وفيه منافعُ اخر أنت بها عارف ، وعن عظيم موقعها غافل ؛ فإنّه سوى الأمر الجليل المعروف - من [ عظيم ] عنائه في إحياء جميع ما على الأرض من الحيوان والنبات - يمزج الأشربة ، فتلين « 1 » وتطيب لشاربها ، وبه تنظّف الأبدان والأشربة من الدَّرَن الذي يغشاها ، وبه يبلّ التراب فيصلح للاعتمال ، وبه يكفّ عادية النار إذا اضطرمت وأشرف الناس على المكروه ، وبه يستحمّ المتعب الكالّ ، فيجد الراحة من أوصابه ، إلى أشباه هذه المآرب التي يعرف عِظَم موقعها في وقت الحاجة إليها ، فإن شككت في هذه المياه الكثيرة المتراكمة في البحار ، وقلت : ما الإرب فيه ؟ فاعلم أنّه مكتنف ومضطرب ما لا يحصى من أصناف السمك ودوابّ البحر ومعدن اللؤلؤ والمرجان والعنبر وأصناف شتّى يستخرج من البحر ، وفي سواحله منابت العود واليَلَنْجُوج « 2 » ، وضروب من الطيب والعقاقير . ثمّ هو بعدُ مركب الناس ومحمل لهذه التجارات التي تُجلب من البلدان البعيدة ، كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق ، ومن العراق إلى العراق « 3 » ؛ فإنّ هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلّاعلى الظهر لبادت « 4 » وبقيت في بلدانها وأيدي أهلها ؛ لأنّ أجر حملها كان يجاوز أثمانها ، فلا يتعرّض أحد لحملها ، وكان يجتمع من ذلك أمران : أحدهما فقد أشياءَ كثيرةٍ تعظم الحاجة إليها ، والآخر انقطاع معائش من يحملها ويتعيّش بفضلها . وهكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الأنام من الدخان والبخار الذي يتحيّر

--> ( 1 ) . في المصدر : « فتلذّ » . ( 2 ) . الألَنْجوجُ واليَلَنْجوجُ : عود جيّد . لسان العرب ، ج 2 ، ص 359 ( لنج ) . ( 3 ) . في المصدر : « ومن العراق إلى الصين » . ( 4 ) . في المصدر : « لبارت » . وكلاهما بمعنى هلكت .